فهرس الكتاب
فإنشاء الشيخ لجمعية إسلامية تنظم شئون الأعضاء وترعاهم وتحقق نوعا من التكافل بينهم هو في ذاته تقوية للتماسك الاجتماعي المصري ضد الاحتلال، وكذلك دعوة الشيخ إلى التميز في السلوك والزي والأخلاق والتمسك في ذلك كله بشرائع الإسلام الحنيف يحمل في طياته دعوة لمقاطعة ورفض القيم والسلوك الغربي عموما والإنجليزي خصوصا.
ولا شك أن التميز في السلوك والزي والأخلاق وغيرها تعد إحدى وسائل الصمود أمام الاستعمار ورفضه، ومنعه من تسريب قيمه وجعلها مقبولة من الشعب وتقليل هامش الرفض الشعبي له.
كما لجأ السبكي إلى العديد من الطعانات المباشرة، فلقد دعا إلى مقاطعة المنسوجات والبضائع الإنجليزية، وقام بإنشاء بعض مصانع النسيج المصرية الصغيرة لتحل محل المنسوجات الأجنبية، ولا شك أن سلاح المقاطعة الاقتصادية كان من أهم الأسلحة التي واجهت الاستعمار وحرص على جعل مستعمراته سوقا لمنتجاته.
ووفقا لسجل محاضر جلسات مجلس إدارة الجمعية، فإن شهرة المنسوجات التي أنتجتها المعامل التابعة للجمعية شجعت مصلحة الصناعة والتجارة على أن توافي المصانع والمعارض التابعة لجمعية القناصل المصرية في الخارج بعينات من مصنوعاتها المختلفة مع بيان مقاساتها وأثمانها وعناوين تلك المؤسسات القائمة بهذا النوع من النشاط الصناعي، وبالفعل أرسلت المؤسسات التابعة للجمعية العينات المطلوبة.
حرب الأفكار
وفي هذا الإطار أيضا كان الشيخ ينشر العديد من الآراء والأفكار والمحاضرات التي تحث على محاربة الإنجليز، ففي كتابه الدين الخالص يقول:"إن المسلمين الآن تحت سيطرة الاستعمار؛ لأنهم لم يقيموا الدين كما أمروا فلم يتخلوا عن النواهي، ولم يتحلوا بالأوامر، بل أفرطوا في تقليد الأجنبي في الضار دون النافع، قلدوه في أكل الربا وشرب الخمر وإباحة الزنا والتبرج وخروج النساء واستحمامهن في البحار، قلدوه في الحكم بالقانون الوضعي ونبذ القانون السماوي ولم يرتدعوا بقوله تعالى:"
] وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [، وتركوا ما أمرهم مولاهم به بقوله:] وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ [فخذلهم الله وسلط عليهم من لا يرحمهم؛ لأنهم تركوا الدين وراء الظهر فتركوا إلى الذل والهوان، وذلك لأن الانتصار على الأجنبي خاص بمن نصر دين الله وتمسك به وسلك طريق النبي ?، قال الله تعالى:] إِن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [، وقوله تعالى:] إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ [فنصر الدين من الإيمان ومن نصره نصره في الدنيا والآخرة، ومن لم ينصره فقد باء بالخزي والذل والهوان في الدارين"."
ويوضح الشيخ السبكي من خلال كلماته أسباب خضوعنا للاستعمار فيدعو إلى الإقلاع عنها ثم يحدد طريق مقاومة الاستعمار بإعداد القوة اللازمة والممكنة وبالتمسك بالإيمان.
ونتيجة الخطورة التي يمثلها الشيخ على الإنجليز فرضت سلطات الاحتلال الرقابة على دروسه وعلى ما يصله من رسائل. وبعد اكتشاف حركة اشتعال الثورة التي يشارك فيها الشيخ بالاتصال بالعثمانيين بادرت سلطات الاحتلال إلى اعتقال الشيخ السبكي سنة 1914، وتم تفتيش منزله ومنزل أسرته.
تم إيداعه بعد ذلك بسجن باب الخلق لمدة ثلاثة أشهر مارس خلالها أسلوب الإضراب عن الطعام للضغط على الإنجليز والسلطات للسماح له بزيارات الأهل، ثم تم الإفراج عنه إلا أنه حُرم من مزاولة النشاط طوال فترة الحرب العالمية أي من 1914 - 1918.
ومن الآثار الهامة للجمعية الشرعية أن الكثيرين من مناضلي ثورة 1919، ومن أعضاء المنظمات السرية المسلحة في ذلك الوقت كانوا أعضاء في الجمعية الشرعية مثل: الشيخ أحمد جاد وهو زعيم عمالي وشخصية هامة من الشخصيات التي اتخذت طريق الكفاح المسلح، وقد صدر حكم الإعدام على الشيخ أحمد جاد الله مع زعماء الثورة.