البشارة الثالثة: جاء في الفصل العشرين: (أن الرب جاء من طور سينين، وطلع لنا من ساعير، وظهر من جبل فاران، ومعه عن يمينه ربوات القديسين فمنحهم العز، وحببهم إلى الشعوب، ودعا بجميع قديسيه بالبركة) وهذه البشارة كالتي قبلها كادت أن تكون محل إجماع وقبول ممن كتب في هذا الجانب.
وفاران هي مكة وأرض الحجاز، وقد سكنها إسماعيل، ونصت على ذلك التوراة (وأقام في برية فاران، وأنكحته أمه امرأة من أرض مصر) وإذا كانت التوراة أشارت إلى نبوة تنزل على جبل فاران لزم أن تلك النبوة على آل إسماعيل، لأنهم سكان فاران.
أما من توهم أن فاران الواردة في هذه البشارة هي التي بقرب جبل سيناء - فليس ظنه صحيحًا، لأن فاران تلك هي برية فاران كما أفادت عنها التوراة. وهنا ذكر جيلًا. ودعيت تلك فاران بسبب أنها ظليلة من الأشجار. ولفظة فاران عبرية تحتمل الوجهين، فإذا ذكرت البرية لزم أنها ظليلة، وإن ذكر الجبل ينبغي أن يفهم بأنه جبل ذو غار، وفي هذه البشارة ذكر جبل فعلم أنه جبل فاران الذي فيه المغارة. كما أن لفظة فاران مشتقه من فاري بالعبرية وعربيتها: المتجمل. أي المتجمل بوجود بيت الله. وهذه الجبال قد تجملت ببيت الله.
ومعنى جاء الرب: أي ظهر دينه ودعي إلى توحيده. كما أن لفظة"رب"هنا تقع على موسى وعيسى ومحمد وهي مستعملة بهذا الإطلاق في اللغة السريانية والعربية فتقول العرب رب البيت بمعنى صاحب البيت ويقول السريان لمن أرادوا تفخيمه"مار"ومار بالسريانية هو الرب.