الصفحة 47 من 69

وفي رواية مالك عند المصنف في باب الحياء في العلم:"حدثوني ما هي"؛ وقال فيها:"فقالوا أخبرنا بها"، فدلَّ ذلك على أنَّ التحديث والإخبار والإنباء عندهم سواء) [1] .

فلاحظ هذه الدقة المتناهية من الإمام البخاري، حيث روى هذا الحديث لبيان هذه المسألة الدقيقة في علوم الرواية، والتي ينبني عليها الحكم باتصال أو انقطاع جملة كبيرة جدًا من أحاديث السنة النبوية الشريفة، ولاحظ أيضًا سلامة أفهام أهل العلم من المحدثين؛ حيث تنبهوا لمراد البخاري وشرحوه، وبطبيعة الحال: فإن مثل هذا العلم -في دقته ومتانته- لا يَسْتَوْعِبُهُ عَقْلٌ ما تَمَرَّس العلم ولا اشتغل بدقائقه، ولا قَلْبٌ فيه سوء ظنٍّ بالسنة النبوية الشريفة، ولذا فأنت واجِدٌ في هذا الجنس من الناس من يتعجَّب من وجود مثل هذه الأحاديث في صحيح الإمام البخاري؛ ويسأل بخَرَقٍ بارد: (ما الفائدة العلمية أو التشريعية المرجوة من إدراج مثل هذه الحكاية؟) ، ولا يستحي من كثافة فهمه لدقائق العلم ووسائل التعليم حتى يصرِّح بتسمية مثل هذه الأسئلة النبوية"أحاجٍ وألغاز"!!، ولك أنْ تعجب إذا علمت أنَّ مثل هذه الإشكالات السطحية هي التي حملت"ابن قرناس"هداه الله على الحكم على هذا الحديث -بمجرد عدم فهمه له- أنه كذب مختلق، فسبحان من جعل العقل قيد اللسان.

(1) فتح الباري لابن حجر 1/ 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت