الصفحة 54 من 69

جلس عليها)!، إذ إنّ الحديث يتكلّم عن شخص معيّن له وصف مُحدّد (الخَضِر - عليه السلام -) ؛ و"ابن قرناس"يطلق قيود الكلام ويُعَمِّمُ مَعْنَاهُ ليجعله (شخصًا) أيَّ شخص!.

ثم هو هنا لم يبيِّن لنا ما معنى كلمة"الفروة"في الحديث؛ حتى يظهر لنا هل يمكن أنْ تتحوَّل إلى خضراء أم لا؛ وأنا يختلج في قلبي شعور أكاد أجزم بمقتضاه؛ وهو أنَّ"ابن قرناس"أصلًا ما فهم المراد بـ"الفروة"على الوجه الصحيح، وأنه لما سمع في الحديث كلمة"فَرْوَة"قَفَزَ إلى ذهنه"الفَرْوَةَ"التي يطلقها العامَّة في بلادنا على نوع من البرود والجِبَاب، وبطبيعة الحال فليس هذا هو المعنى الذي أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث، وإنما عنى بـ"الفروة": الأرض القاحلة أو الأرض التي يبس نباتها حتى تهشَّم، وفي كتاب لسان العرب يقول ابن منظور: (الفَرْوَة: الأَرض البيضاء التي ليس فيها نبات ولا فَرْش، وفي الحديث: أَن الخَضِر - عليه السلام -"جلس على فَرْوة بيضاء فاهتزت تحته خَضْراء"، قال عبد الرزاق: أَراد بـ"الفَرْوة"الأَرضَ اليابسةَ، وقال غيره: يعني الهَشيم اليابس من النَّبات شَبَّهَهُ بالفَروة؛ والفَروةُ: قطعة نبات مجتمعة يابسة) [1] .

وبناء على تفسير الفروة بهذا المعنى: فهل يمكن لفروةٍ من الأرض يابسةٍ كهذه أن تتحوَّل إلى خضراء بمجرّد جلوس الخضر - عليه السلام - عليها؟، الجواب: أما عادةً فلا؛ وأما على سبيل الإعجاز فَنَعَمْ، والعقل لا يحيل هذا ولا يمنعه، والنقل دلَّ على وقوعه وتحقُّقه كما في الحديث، وإنْ كان ذلك خلاف العادة.

والله تعالى قد ذكر في كتابه أسبابًا لحياة الأرض فقال تعالى: (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج) ، وقال تقدَّس وتعالى: (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) ، وقال: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا) ، فالأرض اليَبَس يَقْلِبُ اللهُ حالها إلى خضراء ناضرةٍ بأسباب يشاؤها تبارك وتعالى، كالمطر المغيث وهذا هو الأصل في ذلك، وقد يقدِّر الله تعالى حصول المسبَّب بغير سببه المعتاد لإثبات كمال ربوبيته وقدرته, فهو خالق الأسباب ومسبَّبَاتها، وهذا الحديث الذي بين أيدينا يبيّن فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ الله تعالى جعل جلوس الخضر - عليه السلام - على الأرض القاحلة سببًا لعود مُصْفَرِّ نَبَاتِها إلى خُضْرَتِه.

ولا عجب؛ فقد دل القرآن الكريم على أنواع من هذا الجنس في أفعال الله تعالى، كما جعل الله تعالى ضرب قتيل بني إسرائيل ببعض البقرة الميِّتة سببًا لحياته من جديد [2] ، وكما جعل ضرب موسى - عليه السلام - بعصاه: على البحر سببًا لانفلاقه [3] ، وعلى الحجر سببًا لتفجُّر ينابيع الماء منه [4] ، وجعل ألقاء أمِّ موسى لرضيعها موسى - عليه السلام - في البحر المغرق سببًا لنجاته [5] ، والتقاط آل فرعون لطريدهم موسى من اليمِّ وقدرتهم عليه سببًا لسلامة حياته [6] ، وجعل ركض أيوب - عليه السلام - برجله في الأرض سببًا لانفجار مُغْتَسَلٍ من الماء بارِدٍ وشَرَاب [7] ، وجعل هَزَّ مريم المرأة النُّفَسَاء الضعيفة لجذعِ النَّخْلَة المَتِين سببًا لتساقُط الرُّطب الجَنِيّ [8] ، إلى غيرها من الأفعال التي لابَسَتْهَا أحوالٌ تَمْنَعُ من تحقُّق آثارها ومسبَّبَاتِهَا؛ ومع ذلك تحققت لأنّ الله تعالى أراد ذلك، يقول الإمام ابن القيم: (والربُّ تعالى يخلق ما يشاء ويختار، ويصوِّرُ خلقَهُ في الأرحام كيف يشاء، بأسباب قدّرَهَا وحِكَمٍ دبَّرَهَا، وإذا شاء أنْ

(1) لسان العرب - (15/ 151) .

(2) قال تعالى: (وإذ قتلتم نفسًا فادّارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون) ، سورة البقرة آية 72 - 73.

(3) قال تعالى: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) ، سورة الشعراء آية 63.

(4) قال تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا) ، سورة البقرة آية 60.

(5) قال تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) ، سورة القصص آية 7.

(6) قال تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًّا وحزنًا .. ) الآية 8 من سورة القصص.

(7) قال تعالى: (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) ، سورة ص آية 42.

(8) قال تعالى: (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا) ، سورة مريم آية 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت