فهرس الكتاب
يَسْلُبَ تلك الأسباب قواها سَلَبَهَا، وإذا شاء أنْ يقطع مُسَبَّبَاتِهَا عنها قَطَعَهَا، وإذا شاء أنْ يُهَيِّئَ لها أسبابًا أُخرى تُقَاوِمُهَا وتُعَارِضُها فَعَلَ، فإنه الفَعَّالُ لما يريد) [1] .
فليس في الحديث -بحمد الله تعالى- ما يوجب الحكم عليه بالبطلان لا من جهة الإسناد ولا من جهة المتن؛ ولكن ما الحيلةُ إذا كانت سُنَّةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تُعْرَضُ على مُسْتَامِي الخِرَق، وأرباب المَطَارِفِ والبِطَان، لتَجْرِيَ أحكامُهُم على رقابها قبولًا أو ردًّا، ولقد صدق -والله- الأول إذ قال:
عفاءً على هذا الزمانِ فإنهُ ... زمانُ عقوقٍ لا زمانُ حقوقِ [2]
الحديث السادس:
ساق في هذا الموضع حديثين اثنين؛ هما: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ، قَالَ: ابْسُطْ رِدَاءَكَ فَبَسَطْتُهُ قَالَ فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ ضُمَّهُ، فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ) [3] ، و: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وِعَاءَيْنِ؛ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ) [4] ، وعنون عليهما فقال: (بعض نصوص دين الله تحوي أسرارًا غامضة وخطيرة) [5] .
قلت: يشير"ابن قرناس"هنا إلى تكذيب الحديث الأول؛ من جهة أنّ الخبر يثبت طريقة لمعالجة النسيان تخالف ما دلَّ عليه القرآن الكريم؛ فيقول: (القاص ينقل على لسان أبي هريرة أنه أصبح لا ينسى أيَّ حديث يسمعه، بعد أن غرف الرسول بيديه من الهواء، ثم وضعها في
(1) التبيان في أقسام القرآن - (1/ 203)
(2) البيت لمحمود سامي البارودي، وانظر: البديع في نقد الشعر 1/ 3.
(3) (الحديث والقرآن) 36، والحديث في صحيح البخاري- طوق النجاة - (1/ 35) .
(4) المصدر السابق 37، والحديث في صحيح البخاري- طوق النجاة - (1/ 35) .
(5) المصدر السابق.