الصفحة 57 من 69

وإلا فهل يقول الكاتب أنَّ هذه الآية: (واذكر ربك إذا نسيت) [1] تدلُّ على أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يجوز أنْ ينسى شيئًا من التشريع قبل تبليغه؟.

الذي يظهر أنه لا يقول بهذا، والآية يقطع بحملها على نسيان لا يرتبط بالتشريع أصلًا، إذ الشرع محفوظٌ نصًّا، وبناء عليه فجهة الحفظ المثبت لأبي هريرة - رضي الله عنه - منفكة عن جهة النسيان المثبت للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يصح قول الكاتب: (ولو كان الرسول لديه قدرة .. يجعل الغير لا ينسون بمجرد غرفة بيديه من الهواء؛ فلماذا ينسى هو) ، يوضحه ما بعده:

الثالث: لا دلالة في الحديث على أنَّ أبا هريرة - رضي الله عنه - لا يداخله ما يداخل طبائع البشر من النسيان في كل شيء، وإنما الحديث -عند النظر في بقيَّة رواياته- يظهر منه أنه مخصوص بعدم نسيان كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - فقط، يقول الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث أنه: (ظاهر العموم في عدم النسيان منه لكل شيء من الحديث وغيره، ووقع في رواية ابن عيينة وغيره .."فو الذي بعثه بالحق ما نسيت شيئا سمعته منه"، وفي رواية يونس عند مسلم"فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدثني به"، وهذا يقتضي تخصيص عدم النسيان بالحديث) [2] .

ومع ذلك فقد كان أبو هريرة - رضي الله عنه - قوي الحافظة نظيف الذهن؛ (خاصة بعد أن دعا له الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالحفظ وعدم النسيان .. فكان حافظًا متقنًا ضابطًا لما يرويه .. يدل على ذلك قصة امتحان مروان له، فيما رواه الحاكم عن أبى الزُّعَيْزِعَة كاتب مروان بن الحكم، أن مروان بن الحكم دعا أبا هريرة - رضي الله عنه - فأقعدني خلف السرير، وجعل يسأله وجعلت أكتب، حتى إذا كان عند رأس الحول؛ دعا به فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك، فما زاد ولا نقص، ولا قدَّم ولا آخَّر"، وقد نقل هذه القصة الذهبي في سير أعلام النبلاء، ثم عقَّبَ بقوله:"

(1) سورة الكهف آية 24.

(2) فتح الباري - ابن حجر - (1/ 215) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت