فحي القبور الماثلات تحية وضع قُبْلَة يا صاح منك على اللحد
على خير من مَسَّ الثرى بعبيره وأكرم ميت في الورى لُفَّ في بُرد
قلت: وسلف القرني في هذا الغلو الشائن وقدوته إنما هم جهلة المتصوفة وخرافيوهم الموغلون في الغلو , من أمثال البوصيري في"بردته"التي بلغ فيها المنتهى في الغلو والإطراء الممنوع والمحرّم في دين الإسلام إلى حد الإشراك بالله العظيم , زاعمًا أن ذلك مدحٌ للرسول صلى الله عليه وسلم ومنه قوله في"البردة" (ص51) :
لا طيب يعدل تربًا ضم أعظم طوبى لمنتشق منه وملتثم
وأما السلف الصالح وأئمة أهل السنة والجماعة: الصحابة فمن بعدهم في القرون المفضلة ومن سار على هديهم فقد قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية كما في"مجموع الفتاوى" (27/79) : (( واتفق العلماء على أن من زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم - أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين - الصحابة وأهل البيت وغيرهم - أنه لا يتمسح به , ولا يقبله , بل ليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيله إلا الحجر الأسود , وقد ثبت في الصحيحين أن عمر رضي الله عنه قال: (( والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع , ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ) ).
ولهذا لا يسن باتفاق الأئمة أن يقبل الرجل أو يستلم ركني البيت - اللذين يليان الحجر - ولاجدران البيت , ولا مقام ابراهيم , ولا صخرة بيت المقدس , ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين .
حتى تنازع الفقهاء في وضع اليد على منبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان موجودًا فكرهه مالك وغيره , ولأنه بدعة ... ورخّصَ فيه أحمد وغيره , لأن ابن عمر رضي الله عنه فعله , وأما التمسح بقبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيله فكلهم كره ذلك ونهى عنه , وذلك لأنهم علموا ما قصده النبي صلى الله عليه وسلم - من حسم مادة الشرك , وتحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله رب العالمين )) .
وقال في موضع آخر _27/91): (( وأما التمسح بالقبر - أيّ قبر كان- وتقبيله وتمريغ الخد عليه فمنهي عنه باتفاق المسلمين , ولو كان ذلك من قبور الأنبياء , ولم يفعل هذا أحد من سلف الأمة وأئمتها , بل هذا من الشرك , قال الله تعالى: ? وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ...? ... ولا سيما إذا اقترن بذلك دعاء اليت , والاستغاثة به ... ) )
وقال أيضًا في (27/124) : (( وقد كان أصل عبادة الأوثان من تعظيم القبور ) )ومستشهدًا بالآية السابقة, ثم قال في تفسيرها: (( قال السلف كابن عباس وغيره