الصفحة 117 من 118

وأما كونه من العَادِيّات فَيُثبته حديث أبي رافع في [الصحيح] قال:"وضعتُ للنبي - صلى الله عليه وسلم - منزله بالأبطح، ولم يأمرني بذلك ثم نزل به". وقد حكى شمس الدين ابن القيم القولين وسكت وهما مُحتملان. والأقرب أن يكون من جنس الأعمال المشروعة لمطلق قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (خذوا عين مناسككم) ولأنه أقرّ أبا رافع فبقي فيه؛ ولأن الصحابة فعلوا ذلك، وفعله ابن عمر كما في [الصحيحين] وحكاه أنه من جملة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ أعني جملة ما فعله ابن عمر في ذلك اليوم ـ وكان منه أنه بقي في الأبطح.

الثاني والعشرون من الأعمال: هو الطواف بالبيت طواف الوداع.

وقد ثبت ذلك بدليلين:

أما الأول: فالخبر، وفيه أحاديث منها قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا ينفِرَنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) وقد ثبت في [السنن] وسبق. وكذلك بنحوه حديث ابن عباس يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم:"أُمرنا أن يكون آخر عهدنا بالبيت". وهو في [الصحيح] .

وليس على المرأة الحائض، ولا النفساء، طواف وداع، ويجوز للإنسان أن يؤخر طواف الإفاضة إلى أن يكون طواف وداع لكن له شرطان:

أما الشرط الأول: فهو أن يكون في أيام مِنى، فلا يؤخره عن أيام مِنى ـ أعني الثالث عشر، أو الثاني عشر، للمتعجل. وهذا هو قول جمهور الفقهاء على ماحكاه بعضهم. لكن قال الشارح في [الشرح الكبير] :"إن أخرّه حتى كان آخر عهده بالبيت جاز بلا خلاف". وقال في [الإنصاف] :"بلا نزاع"ولم يذكر شيئًا من الخلاف. لكن قال تقي الدين:"والأحسن أن يكون الطواف ـ يعني طواف الإفاضة ـ في أيام التشريق؛ لان في تأخيره خلافًا هل يُجزئ أم لا"فذكر أن في تأخيره خلافًا.

وعلى كُلٍ فهذا شرط مُختلَف فيه.

أما الثاني: فهو أن ينوي بالطواف، أن يكون طواف الإفاضة ـ طواف الحج ـ ولا ينوي أن يكون طواف الوداع، فإن نوى أن يكون طواف وداع ولم يأت بطواف الإفاضة من قبل فباطل ولا يصح، وعليه أن يطوف مرة أخرى طواف الإفاضة؛ لأنه ركن من أركان الحج.

الثالث والعشرون من الأعمال: ما يذكره جمع من الفقهاء من إلتزام المقام.

والمقصود بالمُلْتَزم، والمقام الذي يُلْزَم فيه: هو المكان الذي بين الحجر الأسود والباب ـ باب الكعبة ـ فيبقى الإنسان ملتزمًا ذلك المقام ومعناه أن يضع صدره ووجهه على الكعبة ويرفع يديه واضعًا ذراعيه على الكعبة، ويبسط كفيه. وقد دل على ذلك دليلان:

أما الأول: فدليل الخبر، قال شيخ الإسلام:"ثبت عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم وقفوا بالمُلْتَزَم". وقد ذكر هذه الكيفية عن الصحابة النووي ـ يرحمه الله ـ في [المجموع] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت