ورابعها: ميقات أهل اليمن المُسَمَّى: بِيَلَمْلَمْ.
وآخرها: ميقات أهل العراق المُسَمَّى: بذات عِرْق.
وقد دل على توقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك المواقيت أحاديث: منها ما أخرجه الشيخان في [صحيحهما] من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: (وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذا الحُليفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فهنّ لهنّ ولمن أتى عليهن، من غير أهلهن وفي رواية:(والعمرة) .
وأما ذات عِرْق فقد ثبت، عند أبي داوود من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: (وقَّت النبي T لأهل العراق ذات عِرْقٍ) .
قال ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ كما في شرحه على [عمدة الفقه] "إسناده جيد"ثم حكى طُرقًا للحديث ومراسيل، تدل على توقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - لذات عِرق. ثم قال يرحمه الله"فهذه الأحاديث والطرق الثابتة الحِسان المرسلة، والمرفوعة، تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على ذات عِرق". وقد حكى ابن قدامة المقدسي في [المغني] عن ابن عبد البر ـ يرحمه الله ـ أنه قال:"أجمع الفقهاء وعامة الناس، على أن من جعل ذاتَ عِرْق ميقاتًا فأحرم منه؛ أنه ميقات صحيح، وإحرامه لا شيء فيه". وهذه المواقيت المكانية، مواقيت معروفة مشهورة. فميقات أهل المدينة المسمى بذي الحُلَيْفة. تصغير حَلفاء: اسم زرع ينبتُ في ذلك المكان. ويَسميه بعض الناس بآبار عليٍّ لوجود بئر هناك، يزعمون أن علي بن أبي طالب قاتل الجن عنده.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ في شرحه على [عمدة الفقه] "وهذا كَذِب فإن عليًا أعظم من أن يقف الجن أمامه، ولم يثبت ذلك عنه رضي الله عنه". وفيه مسجد يسمى بمسجد الشجرة، وهو معلوم معروف. وهذا الميقات هو أبعد المواقيت عن مكة، إذ إنه يُقدَّر بعشرين وأربعمائه من الكيلوهات، عن مكة المكرمة.
وأما ميقات أهل الشام المسمى: بالجُحْفة وسميت بالجُحفة. بضم الجيم وتَسكين الحاء المُهْمَلة؛ لأنها كانت بلدة مغمورة إلا أن الأمراض والسيول اجتحفتها ـ اجتحفتها أي أزالتها في اللغة. وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ثبت عنه (أن ينقل الله الداء والمرض الموجود في المدينة إلى الجُحْفة) ، فانتقلت إلى الجُحْفَة، فذهب منها الناس نتيجة السيول التي اجترفتها، والأمراض والأوباء التي حلت فيها. والجُحْفَة قد تركها الناس فلا يأتون إليها؛ لأنها أصبحت مهجورة لا شيء فيها فاتخذوا محلًا بعدها اسمه رابغ، هذا محلًا قريب من الجُحْفَة. وهو أبعد من الجُحْفَة عن مكة بقليل، من حيث النظر والجُحفة تبعد عن مكة المكرمة بطريقها