الصفحة 44 من 118

أما الحال الأول: فهو أن يتوجب عليه ربط الإزار؛ خشية أن يسقط عليه. فحينئذ لا كراهة في ذلك فيلزمُهُ أن يفعله.

أما الحال الثانية: فألا يكون خاشيًا سقوط إزاره، فلا يخلو من حالتين:

أما الحالة الأول: فهو أن يكون معه نفقة يريد أن يضعها في سُبْتِيَّة، أو في مَرْبَط في إزاره أو نحو ذلك، فهذا جمهور فقهاء المذهب على جوازه.

ويدل على ذلك ما أخرجه القاضي أبو يعلى في كتاب [التَّعْلِيْق] عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت:"أمسك عليك نفقتك وأثبِتْها". فأخذوا من ذلك أنه يجوز أن يُثبتها في إزاره ولو بِمرَبط أو بِسُبتِيَّة، أو بِهِمْيان أو نحو ذلك.

وأما الحالة الثانية: فهو ألا يكون معه نفقةٌ يحتاج أن يضعها في سُبتية، أو نحو ذلك فالمذهب: منعُ الربط بسَبتية، أو حبل، أو نحو ذلك.

واستدلوا على ذلك بدليلين:

أما الدليل الأول: فما أخرجه النسائي، عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال:"لا يَثْني إزاره ولا يَعْقِد عليه شيئًا"وفي رواية"يَعْقِد المُحرم شيئًا". وحُمِلَ ذلك على الإزار ونحوه. وهو ثابت عنه.

وأما الثاني: فهو بقياس ما رُبط على ما فُصِّلَ على الجسم؛ لأنه مُحاكٌ على الجسم أصبح مُفصلًا عليه. وهو وجه نظري.

واختار جماعة من فقهاء المذهب: ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ أنه لاشيء في عقد الإزار، واستعمال الهِمْيَان، والسُبتية ونحوها؛ وذلك لأن الهِميان، والسُبتية، والحزام ونحو ذلك ليست في معنى ما فُصِّل على الجسم، فلا تدخل في المنع. ثم إن ما جاء عن ابن عمر يخالفه ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حصره للأشياء الممنوعة عن الرجل بخمسة أشياء. فلو كانت السُبتية، والهِميان، من الأشياء الممنوعة لَذَكرها النبيُ - صلى الله عليه وسلم -، فلما لم يذكرها، مع أن الموقف موقف بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز اتفاقًا، دل على أن ذلك جائز، وهي موجودة في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ثُم ثَمَّ عَمَلٌ مشى عليه السلف ـ يرحمهم الله ـ وهو عدم الإنكار على من اتخذ هِميانًا، أو رباطًا، أو حزامًا، على حِقْوَيه أو على وسطه. فهذا كله فيه دِلالة واضحة على جواز استعمال المِنْطَقَة أو الهِميان، أو الحزام على الوسط برباط، أو حبل، أو نحو ذلك. والهِميان ـ بكسر الهاء ـ هو لفظ مُعَرب، ليس بعربي أصلًا، يُشبه السُّبتية وهو ما يسميه اليوم الناس بالكَمَرْ. والغالب أن الناس يتخذونه ليحفظوا نفقتهم فيه من دراهم ونقود ونحو ذلك. والمِنطقة ـ بكسر الميم مع فَتحِ الطاء وتسكين النون بينهما ـ هو كُلُ ما شُدَّ به الوسط. فيشمل الحبل، ويشمل ما يُحتزم به من سُبتية، ونحو ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت