الصفحة 45 من 118

وأما التنبيه الثاني: فهو هل يجوزُ أن يُشَبِكُ المُحرم، بين طرفي رداءه بمشبك، أو بزرار، أو نحو ذلك؟ خلافٌ بين الفقهاء.

اختار شيخ الإسلام جواز ذلك؛ لأنه ليس مخيطًا لا لغةً، ولا شرعًا ولا يدخل في الثوب الممنوع لبسه. كالقميص، والبَرانُس، ونحوهما. فيبقى على الجواز الأصلي.

وأما ما يتعلق بالخفين حيث ذكرهما المصنف ـ يرحمه الله ـ فالمذهب: أن الخفين لا يُلبسان حال الاختيار. وهذا لا نزاع فيه في المذهب، قاله في [الإنصاف] . وأما في حال الحاجة وعدم وجود النّعل فقولان في المذهب:

الأول: جواز لبس الخفين لكن مع قطعهما، وهو اختيار جماعة.

وأما الثاني: فهو جواز لبس الخفين دون قطع. وهذا هو المنصوصُ عن الإمام أحمد، قاله شيخ الإسلام في [شرح العمدة] وعليه جمهور الأصحاب قاله في [الإنصاف] .

ولذلك أدلة ـ أعني جواز لبسهما عند الحاجة دون قطع:

أولها: ما جاء عند مسلم من حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فمن لم يجد نعلين فليلبس الخفين) وهو عند البخاري من حديث ابن عباس. وجاء من طريق شُعبة عند مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك بعرفات. وفيه دلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر قطع الخفين، مع أنه ذكر قطعهما من حديث ابن عمر، وكان ذلك في المدينة قبل وقوفه بعرفة. فيكون حديث جابر، وابن عباس وغيرهما ناسخًا لحديث ابن عمر.

ومن الأوجه أن عامة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يُفتُون بذلك. ونقله عنهم القاضي أبو يعلى في كتاب [التعليق] وجاءت الفتوى بذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وعائشة

ـ رضي الله عنهم ـ وجماعة. قال شيخ الإسلام في [شرحه على العمدة] :"وهذا الذي عليه عامة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -".

ومن الأوجه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اقتصر على ذكر لبس الخفين، عند عدم وجود النعلين، دون ذكر قطعهما وهو بعرفات، وقد جاء إلى عرفات أناسٌ كثيرون من بُلدانٍ مختلفة، فلو كان قطعهما واجبًا متعينًا، لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتأخير بيان الشيء عن وقت الحاجة لا يجوز اتفاقًا، فدل على جواز لبس الخفين دون قطع.

ومن الأوجه: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ في [شرح العمدة] من أن الخفين إذا ذكر فينصرفان إلى الاستعمال العربي، والاستعمال الشرعي، ليس إلاّ. فقوله: (الخفين) تشتمل على (أل) التعريفية الدالة على الخفين المعهودين، عند من سمع الخطاب، والخفان المعهودان: هما خفان فوق الكعبين، غير مقطوعين، وهذا هو الاستعمال العربي، ولا يُسمي العربي الخُفُ خُفًا وهي دون الكعبين. وهذا أمر مُشاع معروف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت