فهرس الكتاب
ومن الأوجه أيضًا: أن يُقال إذا لم يجد المرءُ النعلين، فإن لِبَسه للخفين مع قطعهما لا فائدة منه؛ وذلك أن الخُفَ لا يقال لها خُفًَا، وقد قُطعت دون الكعبين فتكون نعلًا. فكان منتقلًا من النعل إلى النعل ولذلك يذكر جمهور الفقهاء أنه لا يجوز المسح عند الطهارة على الخف الذي قد قُطِعَ عن الكعبين؛ قالوا لأنه مثل النعل. فألحقوه بالنعل.
فعندما يقال."ليقطعهما"فإنه يجوز لبس الخف المقطوعة، ولو كان عنده نعلان لا فرق بينهما؛ لأن الخف المقطوع نعل، وليس بخف فيجوز حينئذ أن يُلبَس. فما الفائدة من قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (فمن لم يجد نعلين فليلبس الخفين) . وهذه من الأوجه التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ في [شرحه على العمدة] .
وها هنا فائدتان:
الأولى: في معنى قول - صلى الله عليه وسلم: (فمن لم يجد) إذ إن عدم وجود الشيء يأخذ صورًا ذكرها الفقهاء:
أولها: ألا تكون موجودةً حقيقة، فليس في مُلكِه ولا حوله نعلان، فحينئذ يجوز أن يلبس الخفين.
وأما الثانية: فهو أن يكون النعل موجودًا، لكنه غيرُ قادرٍ على لبسهما؛ لمرض في قدميه أو نحو ذلك.
وأما الثالثة: فهو أن يكون النعل موجودًا؛ لكنه لا يستطيع أن يتملّكه؛ لقلة النفقة. فليس عنده من النفقة إلا ما يكفي حاجته الأصلية، فحينئذ يجوز أن يلبس الخفين.
أما الصورة الرابعة: وهي مختلف فيها. وهو أن يكون عنده نعل، لكنه لا يستطيع أن يسير سيرًا صحيحًا بالنعل، فهل يجوز له أن يلبس الخفين؟ خلاف. المنقول عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها تُفتي بجواز ذلك، وظاهر كلام شيخ الإسلام في [المَنْسك] وفي [شرحه على العمدة] يُفيد جواز ذلك لكن الأحوط تَركُه.
وأما الفائدة الثانية: فهي أن الفقهاء مجمعون على جواز لبس جميع أنواع النعل واختلفوا في نوعين:
أما النوع الأول: فهو نعل له سَيْر، كالذي يُسمّى اليوم بالصَّنْدل، أو نحو ذلك. فماله سَيْر على ظاهر القدم. هل يجوز لبسه أم لا؟ قولان: المذهب: جواز ذلك. واختار القاضي أبو يعلى وتبعه آخرون كما حكاه عنهم في [المغني] أن فيه فدية، وأنه لا يجوز؛ قالوا لأنه مُفَصّلٌ على القدم، فيكون في حكم المخيط. واختار شيخ الإسلام وجماعة وهو المذهب وعليه الجمهور جواز لبس هذا النعل.
وأما النوع الثاني: فما كان ساترًا لأكثر القدم، أو لأطراف القدم من نواحيه، كخف قُطِعَ ليكون دون الكعبين. واختار شيخ الإسلام أن هذا النوع جائز لبسه؛ لأن الممنوع هو الخف أما غيُره فجائز. ويدخل في غيرِه جميع أجناس النعل. ومن هذا النعل ما يُسمى بالجُمْجُم. ويسمونه اليوم بالمَدَاسْ.
وأما ما يتعلق بالمرأة: فيَحْرُم عليها شيئان في باب المخيط: