فهرس الكتاب
؛ لإن المحرم يَصدرُ من منى إلى مكة ليطوف. وأشهر هذه الأسماء عند الفقهاء اسمان: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة.
وإنما كان طواف الإفاضة ركنًا من أركان الحج لدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك:
فأمَّا الكتاب: فقول الله تعالى: {وليطَّوفوا بالبيت العتيق} . إذ إن لام الأمر دخلت على فعلٍ مضارع فدلت على الأمر، أي أن الله عز وجل يأمر العباد بالتطوف حول البيت العتيق، أي سبعة أشواط.
وأمَّا الثاني فالسنة: وفيها أحاديث كثيرة: منها ما أخرجه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذُكِر له أن صفية قد حاضت فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (أحابستُنا هي) فقالت عائشة:"لقد أفاضت وطافت ـ تعني بالبيت ـ ثم حاضت". فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إذًا فلتنفُر) . فيه دلالة على شرطية ورُكنية الطواف؛ الذي هو طواف الحج والإفاضة؛ لإن النبي - صلى الله عليه وسلم - رتَّب النُفرة من مكة على القيام به، وإلا لحبس النبي - صلى الله عليه وسلم - حيضُ صفية ومن معه؛ لإن الطواف ركن ولا بد منه.
وأمَّا الإجماع: فقد حكاه غير واحد ومنهم الموفق في [المغني] وعباراته فيه: لا أعلم فيه خلافًا، وكذلك النووي في [المجموع] وجماعة.
قوله: [وأول وقتِهِ من نصف ليلة النحر لمن وقف وإلا فبعد الوقوف] .
فيه ذكرٌ لأول وقت طواف الإفاضة: وهو أنه يبدأ من إحدى حالتين:
الأولى: من منتصف ليلة يوم النحر، المُسمَّاه: بليلة مزدلفة أو بليلة عرفة وسبقت. ويُضيف بعضهم غيابُ القمر، لحديث أسماء بنت أبي بكر فقد جاء في [الصحيح] عن ابن عباس عن مولى أسماء بنت أبي بكر عن أسماء"أنها أخذت في الصلاة بمزدلفة حتى غاب القمر ثم دفعت لرمي الجمرة وما إلى ذلك". ويدل عليه أيضًا حديث أم سلمة رضي الله عنها، حيث أذن لها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تدفع من مزدلفة قبل الناس فرمت الجمرة وطافت وأدركت النبي - صلى الله عليه وسلم - عند حجرة العقبة"والحديث أخرجه أحمد وغيره وهو في [الصحيح] وفيه دلالة على أنها أفاضت إلى مكة قبل الفجر، إذ بينها وبين مكة مسافة ميلين."
وأمَّا الحال الثاني: فهو أن يكون بعد الوقوف بعرفة لمن تأخر عن نصف الليل، فلم يقف بعرفة إلا بعد نصف الليل؛ لإن الدفع إلى منى فمكة للطواف لا يجوز إلى بعد الوقفة. وهذا أمرٌ مجمع عليه كما حكاه الموفق في [المغني] وجماعة.