الصفحة 14 من 530

حتى يكون في قلوب العارفين الرَّبانيين أعظمَ منَ الجبال الرواسي، وأطْيَب وأحلى وألذ مِن كلِّ اللذات.

وذلك بإثبات أنه (العلي الأعلى) بكلِّ وجهٍ واعتبار؛ علو الذات، وعلو القدْر، وعلو القَهْر، فعلوُّ الذات هو أنه مستوٍ على عرشه، فوق جميع خلقه، مبايِن لهم، وهو مع هذا مُطَّلع على أحوالهم، مشاهِد لهم، مدَبِّر لأُمُورهم الظاهرة والباطنة، متكلِّم بأحكامه القدَرية، وتدبيراته الكونية، وبأحكامه الشرعيَّة.

وأما علو القدر، فهو أن صفاته كلها صفات كمال، وله مِن كل وصْف ونعْت أكمله وغايته.

وأما علو القهر، فهو قهْرُه - تعالى - لجميع المخلوقات، فالعالَمُ العلوي والسفلي كلهم خاضعون لعظَمته، مفتَقِرون إليه في كل شُؤونهم.

ومن أسمائه العظيمة: (الأول، والآخر، والظاهر، والباطن) ، وقد فسَّرها - صلى الله عليه وسلم - تفسيرًا كاملًا واضحًا؛ فقال: (( أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء ) ) [1] ؛ ففَسَّر كلَّ اسم بكلِّ معْناه، ونفى عنه كل ما يُضاده، فمهما قدَّر المقدِّرون، وفرض الفارضون من الأوقات السابقة المتسلسلة إلى غير نهاية، فالله قبل ذلك، وكل وقتٍ لاحق مهما قدر وفرض، فالله بعد ذلك.

ولهذا لا يستحق اسم (واجب الوجود) إلا هو، فمِن خصائصه أنه لا يكون إلا مَوْجُودًا كاملًا، فلا يُشاركه في وجوب الوجود أحد، فوُجُوب وجوده بنعوته الكاملة في جميع الأوقات، وهو الذي أوْجَد الأوقات وجميع الموجودات، وكلها مستندة في وُجُودها وبقائها إلى الله، فالأول والآخر يتضمنان إحاطته بجميع الأزْمنة وجميع المخلوقات من كلِّ وجْه، والظاهر والباطن يقْتضيان إحاطته بجميع الأمكنة، وأنها تنتهي إلى الله في العلوِّ والقُرْب، ولا مُنافاة بين الأمرَيْن في حقِّه - تعالى - لأنه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، فهو العليُّ في دنوِّه، القريب في علوِّه.

ومن أسمائه الحسنى: (الكبير، العظيم، الجليل) ، وهو الذي له كلُّ عظمة وكبرياء وجلال، ومعاني العظمة نوعان؛ أحدهما: أنه متَّصف بصفات المجد والعظمة والكبرياء، الثاني: أنه

(1) رواه أحمد ومسلم وغيرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت