فهرس الكتاب
والجهاد في سبيله بالأموال والأنفس، وعده بمغفرة ذنوبه ودخول الجنات والخلود بما فيها من النعيم والكرامات ممَّا تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين، وتلك تجارةٌ رابحة وفوز عظيم، وعلاوة على ذلك خصلة أخرى محبوبة للنفوس، وهي حصول النصر على الأعداء والفتح القريب، وفي ذلك بشارة للمؤمنين المجاهدين؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:10 - 13] .
كما وعد مَن قام بالإيمان والعمل الصالح بالاستخلاف في الأرض والتمكين فيها لدين الإسلام الذي رضيه الله وأكمله لعباده، وإبدالهم الأمن والاستقرار بعد الخوف ما داموا مستقيمين على عبادة الله وحده لا شريك له، وقد تحقَّق هذا الوعد الكريم لسلفنا الصالح من زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين إلى وقتنا هذا؛ قال - تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] ، وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الدين [1] ، وأن مَن مات ولم يغزُ ولم يحدِّث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق [2] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ) ) [3] .
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد.
الجهاد في سبيل الله وعوامل النصر على الأعداء
الفصل الثاني
لا شكَّ أن للنصر على الأعداء عواملَ وأسبابًا، كما أن للهزيمة أسبابًا تعين عليها، فمن أعظم أسباب النصر: الإيمان بالله الواحد القهَّار، والاعتماد عليه وحده في حصول النصر وفي كل شيء، وتفويض الأمور إليه، والثقة بوعده بنصر المؤمنين؛ قال - تعالى: وَكَانَ حَقًّا
(1) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
(2) رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
(3) متفق عليه.