الموجودات والمعْدُومات، وأنَّ جميع العالَم طَوْع قُدرته ومشيئته، يَتَصَرَّف فيها بما يشاء وكيف يشاء؛ {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] ، وقال - تعالى: {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [يونس: 65] ، وهي عزة الامتناع والقوة والقهر والغلبة، كلها قد كملتْ لله الواحد القهار من جميع الوجوه.
ومن أسمائه: (الغني) بذاته عن جميع مخلوقاته، فلا يحتاج إلى أحد من خلْقه بوجْه من الوُجُوه، فكلُّ المخلوقات مُفتَقرة إليه في إيجادها، وإعدادها، وإمدادها في أُمُور دينها ودنياها، في جلْب المنافع ودفْع المضار، وهو الذي أغناها وأقناها، ومِن كمال غناه أنه لَم يتخذْ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكنْ له كُفُوًا أحد، ومِن سعة غناه أن جميع الخيرات والعطايا والنِّعَم في الدُّنيا والآخرة والنعيم المقيم مما لا عين رأتْ، ولا أُذُن سَمِعَتْ، ولا خطر على قلْب بشَر، قطرةٌ مِن بحر غناه وجُوده وكرمه، فهو الغنيُّ بذاتِه، المستغني عن جميع مخلوقاتِه، المغني لعباده، بما أدرَّه عليهم من الخيرات، وأنزله منَ البركات.
ومن أسمائه الحسنى: (الحكيم) ، وهو الذي يضع الأُمُور مواضعها اللائقة بها، وله الأحكام الشرعية، والأحكام القدرية، وله الحكمة في شَرْعه، والحكمة في قدره، فأحكامه الشرعية هي ما جاءتْ به الرُّسل، وهي متعلق رضاه ومحبته، ومناط أمْره ونَهْيه، والأحكام الكونية القدرية وهي جميع التدابير - جليلها وصغيرها - الواقعة في العالَم العلوي والعالَم السفلي، وقد يجتمع في حقِّ المؤمن الحكمان إذا أطاع الله، وقد ينفرد الحكم القدري في وجودِ ما وُجد من المعاصي والمباحات، ولذلك يقال: مَن وافق الحكمَ الشرعي فقد وافق رضا الله - تعالى - ومحبته، فإن الله يحب المؤمنين والمتقين والصابرين، ومَن وافق حكمه القدري فقط، فإن كان معصية فله الذم والعقوبة؛ لمخالفته لأمر الله، وتجرُّئه على معاصيه، وإن كان مباحًا فلا له ولا عليه، ولكن قد يفوته من الخير ما هو بصَدد فعله.
والقضاء صفة لله، والله لا يوصَف إلا بكلِّ وصْفٍ جميل، والمقضي فعل الإنسان وصنعته، وهو ينقسم إلى محمود ومذموم ومباح، فلذلك وجب التفصيل في الرضا بالقضاء، فالرضا بنفس ما يقدره ويرضاه - بقطع النظر عن فعل العبد - لازم، والرضا بالمقضي الذي هو فعل العبد فيه تفصيل بحسبه؛ إن كان خيرًا تعيَّن الرضاء به، وإن كان شرًّا تعين عدم الرضاء، فأحكام الربِّ القدرية والشرعية، وكذلك أحكام الجزاء، كلها متضمنٌ لها اسمُه (الحكيم) ، وهو الذي له الحُكم بين عباده الذي لا حاكم إلا هو بالحق والعدل والحمد.