فهرس الكتاب
(( نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأدَّاها كما سمعها، فرُبَّ مبلَّغ أَوْعَى من سامع ) ) [1] ، وقال أيضًا: (( مَن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور مَن تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ) ) [2] ، وعكس ذلك مَن دعا إلى ضلالة.
وإذا لم يَقُم العالم بما أوجب الله عليه من العمل بعلمه والدعوة إليه كان من الذين يكتمون ما أنزل الله ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله، وفي الحديث: (( أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ) ) [3] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت - ليصلُّون على معلِّمي الناس الخير ) ) [4] .
وقال الشاعر:
وَكُنْ عَامِلًا بِالعِلْمِ فِيمَا اسْتَطَعْتَهُ = لِيُهْدَى بِكَ المَرْءُ الَّذِي بِكَ يَقْتَدِي
حَرِيصًا عَلَى نَفْعِ الوَرَى وَهُدَاهُمُ = تَنَلْ كُلَّ خَيْرٍ فِي نَعِيمٍ مُؤَبَّدِ
4 -أن يجاهد نفسه على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله وأذى الخلق في سبيل دعوته.
فإذا استكمل المسلم هذه المراتب الأربع التي هي: العلم، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه - كان من الربانيين؛ قال - تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] ، فمَن علم وعمل وعلَّم فذلك يُدعَى عظيمًا في ملكوت السماء [5] .
59 -العلم والعمل
العلم شجرةٌ تُثمِر كلَّ خلق جميل وعمل صالح ووصف محمود، أخرج الله الإنسان من بطن أمه لا يعلم شيئًا فأمدَّه بالقُوَى الحسية والمعنوية، وجعله سميعًا بصيرًا متكلِّمًا عاقلًا، فميَّزه بذلك على سائر المخلوقات، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وخلق له ما في الأرض جميعًا ليستعين به
(1) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
(2) رواه مسلم وغيره.
(3) رواه الطبراني والبيهقي وابن عدي، وضعَّفه السيوطي والمنذري قال المناوي: وله أصل أصيل عند الحاكم في"المستدرك".
(4) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
(5) انظر:"زاد المعاد في هدي خير العباد"؛ لابن القيِّم (ج2/ 106، 107) .