الصفحة 185 من 530

ويقول الشاعر:

وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الفِتْيَانِ فِينَا = عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ

فبصلاح الناس وحسن توجيههم يصلح أولادهم بإذن الله وتوفيقه، وقد قال الله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُو أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ} [التحريم: 6] ، فوقاية الأنفس من النار تكون بتقوى الله وطاعته بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه.

ووقاية الأهل بتعليمهم ما ينفعهم وتحذيرهم ممَّا يضرهم، وتأديبهم الأدب الحسن على وفق تعاليم الإسلام أمرًا ونهيًا وفعلًا وتركًا، فما دام الولد في البيت لم يدخل المدرسة فالمسؤولية خاصَّة بوليِّ أمره، عليه أن يرعاه حق الرعاية ويصونه غاية الصيانة، وأن يحسن تربيته بقدر المستطاع تربية إسلامية صحيحة، فإذا بلغ سنَّ التمييز عَلَّمَه الطهارة وأمره بالصلاة، فإذا بلغ عشر سنين ضربه عليها وهدَّده على تركها، امتثالًا لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( مُرُوا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر ) ) [1] ؛ وذلك لكي يألفها ويتمرَّن عليها ويدخل حبها في قلبه قبل بلوغه، وعلى وليِّ أمره ألاَّ يترك له الحبل على الغارب في فعل ما يهواه ويريده، بل يكون رقيبًا عليه يتعهَّده في تعليمه ما ينفعه وتحذيره مما يضرُّه، كما يتعهَّد البستاني بستانه بالسقي، وإزالة الأعشاب الضارة حتى يبدو صلاحه، وكما يتعهَّد الراعي غنمه يحفظها من الذئاب والسباع في أرض مسبعة، ويتذكر قول الشاعر:

وَمَنْ رَعَى غَنَمًا فِي أَرْضِ مَسْبَعَةٍ = فَنَامَ عَنْهَا تَوَلَّى رَعْيَهَا الأَسَدُ

فإذا سلم الولد إلى المدرسة اشترك في تربيته المدرسون من ناحية وأولياء الأمور من ناحية أخرى، وحينئذ يميل الطالب إلى تقليد المدرس والتأثر بأقواله وأفعاله أكثر ممَّا يميل إلى والديه، فعلى المدرس تقوى الله في ذلك وإصلاح نفسه قبل أن يكون مدرسًا، وليعلم أنه مسؤول مؤتمن فليؤدِّ الأمانة وليحذر من الخيانة فيها في توجيه الطلبة وتعليمهم وتأديبهم، وليكن قدوة صالحة للطلبة في قوله وفعله وعمله؛ فهو محطُّ أنظار الطلبة وقدوتهم في الخير والشر والهدى والضلالة إن أحسن وإن أساء.

فالبيت والمدرسة هما الأساس لتكوين الأجيال الصالحة وليست كل البيوت صالحة، فليكن المدرس أداة إصلاح كما أن بعض البيوت الصالحة يتأثَّر أولادهم بِمَن لم يكن صالحًا، فالكل راعٍ ومسؤول عن رعيته، فليعد للسؤال جوابًا وللجواب صوابًا.

(1) رواه أحمد وأبو داود والحاكم، ورمز السيوطي لصحَّته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت