فهرس الكتاب
إذا عُلم تحريم مُوالاة أعداء الله - تعالى - وموادتهم، فليعلم أيضًا أنَّ الأسباب الجالبة لِموالاتهم وموادتهم كثيرة جدًّا، ومن أقربها وسيلةً مساكنتُهم في الديار، ولا سيما في ديارهم الخاصة بهم، ومخالطتهم في الأعمال، ومجالستهم ومُصاحبتهم وزيارتهم، وتولي أعمالهم، والتزَيي بِزِيِّهم والتأدُّب بآدابهم، وتعظيمهم بالقوْل والفعل، وكثيرٌ مِن المسلمين واقعون في ذلك!
وقد وردتْ أحاديثُ كثيرةٌ بالنهي عما فيه تعظيم لأعداء الله - تعالى - فمِن ذلك بداءتهم بالسلام، ومصافحتهم، والترحيب بهم، والقيام لهم، وتصديرهم في المجلس، والتوسيع لهم في الطريق؛ لما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريقٍ فاضطروهم إلى أضيقه» [1] .
وقد ورد النهيُ عن مجامَعة المشركين ومساكنتهم في ديارهم؛ لأنَّ ذلك من أعظم الأسباب الجالبة لموالاتهم ومحبتهم، والأحاديث في ذلك كثيرة؛ منها قوله - صلى الله عليه وسلم: «مَن جامع المشركَ وسكن معه، فإنه مثله» [2] ، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تساكنوا المشركين ولا تُجامعوهم، فمَن ساكنهم أو جامعهم، فهو مثلهم» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» [3] .
فليتأمل المسلمون الساكنون مع أعداء الله - تعالى - هذه الأحاديثَ، وليعطوها حقَّها من العمل؛ فقد قال الله - تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 17، 18] ، فالحب في الله والبغضُ في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله - من أهم أمور الدِّين، وأوثق عُرى الإيمان، وأفضل الأعمال عند الله، وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وآله وصحْبه وسلم.
(1) رواه مسلم.
(2) رواه أبو داود ورواه الترمذي.
(3) رواه أبو داود والترمذي.