فهرس الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
12 -العبودية في الإسلام حقيقتها وشمولها
سُئل شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله - عن قوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] ، فما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع الدِّين داخل فيها أو لا؟ وهل هي أعلى المقامات في الدُّنيا والآخرة أو فوقها شيء؟ وما حقيقة العبودية؟
فأجاب - رحمه الله: الحمدُ لله رب العالمين، العبادة اسمٌ جامع لكل ما يُحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، فالصلاة والزكاة، والصوم والحج، وصِدْق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك - من العبادة.
وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدِّين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعَمه، والرِّضا بقضائه، والتوكُّل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك - هي من العبادة.
وذلك أنَّ العبادة هي الغاية المحبوبة لله، والمرضيَّة له، وهي التي خلق الخلق لها؛ قال - تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون: 23] ، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم، وقال - تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، وقال - تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] ، فالدِّين كلُّه داخل في العبادة، وقد ثبت في الصحيح: أن جبريل - عليه السلام - لما أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في صورة أعرابي، فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فأخبره بذلك، ثم قال في آخر الحديث: (( هذا جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم ) ) [1] ، فجعل هذا كله من الدِّين، والدين يتضمَّن معنى الخُضُوع والذُّل، يُقال: دنته فدان؛ أي: ذللته فذلَّ، ويُقال: ندين الله، وندين لله؛ أي: نعبده، ونطيعه، ونخضع له، والعبادة أصل معناها: الذل، أيضًا يُقال: طريق معبَّد؛ أي: مذلَّل قد وطئتْه الأقدام، لكن العبادة المأمور بها تَتَضَمَّن معنى الذل، ومعنى الحب، فهي تتضمَّن غاية
(1) رواه مسلم.