الصفحة 41 من 530

الذُّل لله بغاية المحبة، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله - تعالى - بل يجب أن يكون الله أحبَّ إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء؛ بل لا يستحق المحبةَ والخضوع التام إلا اللهُ، وكل ما أحب لغير الله، فمحبته فاسدة، وما عظم لغير الله فتعظيمه باطل، فهو - سبحانه - رب العالمين، وخالقهم، ورازقهم، ومحييهم ومميتهم، ومقلِّب قلوبهم، ومصرِّف أمورهم، لا رب لهم غيره، ولا مالك لهم سواه، ولا خالق لكل شيء ومدبِّره ومسخِّره إلا هو، فإذا عرَف العبدُ أن الله ربه وخالقه، وأنه مُفتقر إليه ومحتاج إليه، عرف العبودية المتعلِّقة بربوبية الله، وهذه العبادة متعلِّقة بالألوهية لله - تعالى - ولهذا كان عنوان التوحيد: «لا إله إلا الله» ، بخلاف مَن يُقرُّ بربوبية الله، ولا يعبده أو يعبد معه إلهًا آخر، فالإله هو الذي يألهه القلبُ بكمال الحب والتعظيم، والإجلال والإكرام، والخوف والرجاء، ونحو ذلك، وهذه العبادة هي التي يُحبها الله ويرضاها، وبها وصف المصطفَيْنَ من عباده، وبها بعث رسله، وأنزل كتبَه، ومن عبادته وطاعته الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكَر بحسب الإمكان، والجهاد في سبيله لأهل الكفر والنفاق، فيجتهدون في إقامة دينه، مستعينين به، رافعين مزيلين بذلك ما قدر من السيئات، دافعين بذلك ما قد يخاف من آثار ذلك، كما يزيل الإنسان الجوعَ الحاضر بالأكْل، ويدفع به الجوع المستقبل.

وكذلك إذا آن أوان البرد دفعه باللباس، وكذلك كل مطلوب يرفع به مكروهًا، فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله، العابدين لله، وكل ذلك من العبادة، وكل ما أمر الله به عبادَه من الأسباب فهو عبادة، والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصِّراط المستقيم ونحو ذلك من الأسماء مقصودُها واحد، ولها أصلان:

أحدهما: ألا يعبد إلا الله.

الثاني: ألا يعبد إلا بما شرع وأمر، لا يعبد بغير ذلك من الأهواء والظنون والبدَع، إذا تبيَّن ذلك فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله، وكلَّما ازداد العبدُ تحقيقًا للعبودية، ازداد كمالُه، وعلتْ درجتُه، وكلما ازداد القلبُ حبًّا لله، ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبًّا وحرية مما سواه، والقلبُ فقير إلى الله من جهتَيْن؛ من جهة العبادة، وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل، فهو دائمًا مفتَقر إلى حقيقة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت