فهرس الكتاب
فالعبد مفتَقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود، ومن حيث هو المسؤول المستعان به، المتوكل عليه، فهو الله الذي لا إله غيره، وهو ربه الذي لا رب له سواه، ولا تتم عبوديته لله إلا بهذَيْن: العبادة والاستعانة، فأكملُ الخلْق وأعلاهم وأفضلهم وأقربهم إلى الله أتمُّهم عبوديةً لله من هذا الوجه، وهذا هو حقيقة دين الإسلام، الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو أن يستسلمَ العبدُ لله لا لغيره، فالمستسلم لله ولغيره مشرِك، والممتنع عن الاستسلام له مستكبر، وكل مَن استكبر عن عبادة الله، فلا بد أن يعبد غيره ويذل له، ولن يستغني العبد عن جميع المخلوقات، إلا بأن يكون الله هو مولاه، الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكَّل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يوالي إلا مَن والاه، ولا يُعادي إلا مَن عاداه، ولا يحب إلا الله، ولا يبغض شيئًا إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله.
فكلما قَوِيَ إخلاصُ حبِّه ودينه لله، كملتْ عبوديتُه لله، واستغناؤه عن المخلوقات، وبكمال عبوديته لله تكمل براءته من الكفر والشرْك والكِبر.
والدِّين الحق هو تحقيق العبودية لله بكلِّ وجه، وتحقيق محبة الله بكل درجة، وبقدْر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبدِه، وبقدر نقْص هذا يكون نقص هذا، وكلما كان في القلب حب لغير الله كانتْ فيه عبودية لغيره بحسب ذلك، وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة، وكل عمل لا يُراد به وجه الله فهو باطل، فالدنيا ملعونٌ ما فيها إلا ما كان لله، ولا يكون لله إلا ما أحبه الله ورسوله، وهو المشروع، وهذا الأصل أصل الدين، وبحسب تحقيقه يكون تحقيقُ الدين، وبه أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وإليه دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعليه جاهد، وبه أمر، وفيه رغَّب، وهو قطب الدِّين الذي تدور عليه رحاه، وجماع الدين أصلان: ألا نعبد إلا الله، وألا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدَع، كما قال - تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] ، وذلك تحقيق الشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله، ففي الأولى: ألا نعبد إلا إياه، والثانية: أن محمدًا هو رسولُه المبلغ عنه، فعلينا تصديق خبره، وطاعة أمره، وقد بَيَّنَ لنا الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - ما نعبد اللهَ به، ونهانا عن مُحْدثات الأمور، وأخبر أنها ضلالة، فالحلالُ ما أحلَّهُ الله ورسوله، والحرامُ ما حرَّمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، وقد هدى الله المؤمنين المخلصين لله أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق واتبعوه، فأخلصوا دينهم لله، وأنابوا