الصفحة 61 من 530

اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها )) [1] .

أيها المسلم الكريم:

العبدُ في تنقُّلاته في هذه الحياة وأطواره فيها لا يخلو مِن حالتَيْن: إما أن يحصل له ما يحب ويندفع عنه ما يكره، فوظيفته في هذه الحالة الشكر والاعتراف، أن ذلك من نعم الله عليه، فيعترف بها باطنًا، ويتحدث بها ظاهرًا، ويستعين بها على طاعة الله، وهذا هو الشاكر حقًّا.

الحالة الثانية: أن يحصل للعبد المكروه أو يفقد المحبوب، فيحدِث له همًّا وحزنًا وقلقًا، فوظيفته الصبر لله، فلا يتسخَّط ولا يضجر ولا يشكو للمخلوق ما نزل به؛ بل تكون شكواه لخالقه - سبحانه وتعالى - ومن كان في الضراء صابرًا، وفي السراء شاكرًا، فحياته كلها خير، وبذلك يحصل على الثواب الجزيل، ويكتسب الذِّكر الجميل؛ قال - صلى الله عليه وسلم: (( عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْه سراءُ شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له ) ) [2] .

والخير الحاصل للشاكرين هو الزيادة؛ {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] ، والخير الحاصل للصابرين، هو الأجر والثواب، والمغفرة والرحمة.

أيها المسلم الكريم:

متى أصابك مكروه في بدنك أو مالك أو حبيبك، فاعلم أن الذي قدَّره حكيم عليم، لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا يقدر شيئًا سُدى، وأنه - تعالى - رحيم قد تنوعتْ رحمته على عبده، يرحمه فيعطيه، ثم يرحمه فيوفِّقه للشكر، ويرحمه فيبتليه، ثم يرحمه فيوفقه للصبر، فرحمة الله متَقَدِّمة على التدابير السارَّة والضارة ومتأخرة عنها، ويرحمه أيضًا بأن يجعل ذلك البلاء مُكَفِّرًا لذنوبه وآثامه، ومنمِّيًا لحسناته، ورافعًا لدرجاته، ومَن استكمل مراتب الصَّبر والشكر، فهو الكامل في كل أحواله، وإذا أصيبَ العبدُ بمصيبة فآمن بالقدر، ولجأ إلى الصبر والاحتساب، خفَّتْ وطأتُها، وهانتْ مشقتها، وتم له أجرها، وكان منَ الفُضلاء الكرام، وذلك فضلُ الله يؤتيه مَن يشاء، والله ذو الفضل العظيم [3] .

(1) رواه مسلم.

(2) رواه مسلم.

(3) انظر:"الرياض الناضرة"، لابن سعدي، ص 57 - 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت