الصفحة 60 من 530

أي: قد جعل نفسه وقفًا على أوامر الله ومحابِّه، والصبر نصف الإيمان، فإنه مركب من صبر وشكر، كما قال بعض السلف: الإيمان نصفان: فنصف صبر، ونصف شكر [1] .

وقال - تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5] ، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فكما أنه لا حياة لمن لا رأس له، فلا إيمان لمن لا صبر له.

وهو ثلاثة أنواع: صبر على فرائض الله فلا يضيعها، وصبر عن محارمه فلا يرتكبها، وصبر على أقضيته وأقداره فلا يتسخطها، ومن استكمل هذه المراتب الثلاث فقد استكمل الصبر والإيمان، ولذة الدنيا والآخرة ونعيمهما، والفوزُ والظفر فيهما لا يوصل إليه إلا على جسر الصبر، كما لا يصل أحد إلى الجنة إلا على الصراط، فلا يُنال دينٌ ولا دنيا إلا بالصبر، وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين؛ كما قال - تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] ، وإذا تأملت مراتب الكمال المكتسَب في العالم رأيتها كلها منوطة بالصبر، وإذا تأملت النقصان الذي يذم صاحبه عليه، ويدخل تحت قدرته رأيته كله من عدم الصبر، فالشجاعة والعفة والجود والإيثار كلها صبر ساعة، وأكثر أسقام البدن والقلب إنما تنشأ عن عدم الصبر، فما حُفظتْ صحة القلوب والأبدان والأرواح بمثل الصبر، ولو لم يكن في الصبر إلا معية الله مع أهله، فإن الله مع الصابرين، ومحبتُه لهم، فإن الله يحب الصابرين، ونصرُه لأهله، فإن النصر مع الصبر، وأنه خير لأهله؛ {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] ، وأنه سبب الفلاح والفوز، كما قال - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] [2] .

وقال - تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157] ، وقال - عليه الصلاة والسلام: (( ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون،

(1) انظر:"مدارج السالكين"، لابن القيم - رحمه الله - ص 157 جـ2.

(2) انظر:"زاد المعاد"، لابن القيم، جـ4، ص 333، بتحقيق الأرناؤوط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت