فهرس الكتاب
19 -منَ الإيمان بالله الصبرُ على أقدار الله
الحمد لله الذي وعد الصابرين أجرهم بغير حساب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام الصابرين، وسيد الأولين والآخرين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فقد قال الله - تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11] ، قال بعض السلَف: هو الرجلُ تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم، وقال - تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51] ، وقال - تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: 22، 23] .
وفي الحديث الصحيح: (( والصبر ضياء ) ) [1] ، وللبخاري ومسلم مرفوعًا: (( وما أُعْطِي أحدٌ عطاء خيرًا وأوسع من الصبر ) )، وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: (( خير عيش أدْركناه بالصبر ) ) [2] .
والصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخُّط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، كخمش الوجوه، وشق الثياب عند المصيبة، والصَّبْر يكون بالله ولله ومع الله، فالصبْر بالله هو الاستعانةُ به - سبحانه - فهو وحده المعين على الصبر؛ كما قال - تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127] ، والصبرُ لله هو أن يكونَ الباعث له على الصبر محبة الله وإرادة وجهه، والتقرُّب إليه، كما قال - تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الرعد: 22] .
والصبر مع الله: هو دوران العبد مع مراد الله الديني منه، ومع أحكامه الدينية صابرًا نفسه معها، سائرًا بسيرها، مقيمًا بإقامتها، يتوجه معها أين توجهتْ، فهذا معنى كونه صابرًا مع الله؛
(1) رواه أحمد ومسلم.
(2) رواه البخاري.