فهرس الكتاب
27 -الخشوع في الصلاة، وحضور القلب فيها، وعلاج الوسوسة
الحمد لله الذي جعل الصلاةَ عمادَ الدين، وصلةً قوية بين الله وعباده المؤمنين، والصلاة والسلام على محمد الأمين، وآله وصحبه أجمعين.
وبعد، فإن الخشوع هو الخضوع والتذلُّل والسكون، قال الله - تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1، 2] ؛ أي: قد فاز وسعد ونجح المؤمنون المصلُّون، ومن صفاتهم أنهم {فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} ، والخشوع في الصلاة هو: حضور القلب فيها بين يدي الله - تعالى - محبةً له وإجلالًا، وخوفًا من عقابه، ورغبةً في ثوابه، مستحضرًا لقُربه، فيسكن لذلك قلبُه، وتطمئن نفسُه، وتسكن حركاتُه، متأدبًا بين يدي ربِّه، مستحضرًا جميعَ ما يقوله ويفعله في صلاته من أولها إلى آخرها، فتزول بذلك الوساوسُ والأفكار، والخشوعُ هو روح الصلاة، والمقصود الأعظم منها؛ فصلاةٌ بلا خشوعٍ كبدنٍ ميت لا روح فيه.
وأصلُ الخشوع خشوعُ القلب، الذي هو مَلِك الأعضاء، فإذا خشع القلبُ خشعتِ الجوارحُ كلُّها، ولما رأى سعيد بن المسيب رجلًا يعبث في صلاته، قال: لو خشع قلبُ هذا لخشعتْ جوارحُه [1] ، وليس للعبد من صلاته إلا ما عَقَل منها، وحضر قلبُه فيها، والشيطانُ يريد من العبد ألاَّ يصلِّيَ ليكونَ من أصحاب النار، فإذا صلى حالَ بينه وبين نفسه، يوسوس له، ويشغله عن صلاته حتى يبطلها أو ينقصها، وفي الحديث: (( إن العبد ليصلي الصلاةَ، ولا يُكتب له إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها، حتى بلغ عشرها ) ) [2] .
وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي هو بأمَّتِه رؤوف رحيم - أرشد إلى سلاحٍ قوي يكافح به العدو، فإذا خرج المسلم من بيته إلى المسجد أو إلى غيره، أرشده أن يقول: (( بسم الله، آمنتُ بالله، اعتصمتُ بالله، توكَّلتُ على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله ) )، إذا قال ذلك، يقال له: هُديتَ وكُفيتَ ووُقيتَ، ويتنحى عنه الشيطان [3] ، فإذا دخل المسجد يقول: (( أعوذ بالله العظيم،
(1) "شرح السنة"، ج3/ ص261.
(2) رواه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه بنحوه؛"الترغيب والترهيب"، ج1/ ص305.
(3) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم؛"الأذكار"، للنووي، ص24.