فهرس الكتاب
الشيخ صالح الفوزان
رسالة المسجد
إن من أجلِّ الأعمال وأعظمِها منزلةً عند الله: عمارةَ المساجد - بيوت الله، وأحب البقاع إليه - عمارة حسيَّة: بالبناء، والترميم، والتنظيف، وعمارة معنوية: بالصلاة فيها، وتلاوة القرآن، والذِّكر، والدعاء {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] ، التي جعلت عمارتها من أبين الأدلة على صدق الإيمان: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ ... } الآية [التوبة: 18] .
لقد أشاد الإسلام بفضل عمارة المساجد، وما تعُود به زيارتها على النفوس من أثرٍ فعَّال، وأضافها الله - تعالى - إلى نفسه إضافةَ تشريف؛ فقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] ، ولا غرابة؛ فعمارة المساجد كالمرآة الصافية لعكس أحوال الناس، وبيان مدى رغبتهم في الخير، وبزيارة المسلمين لها في اليوم والليلة خمسَ مرات، يتضح المؤمنُ من المنافق؛ يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إذا رأيتم الرجلَ يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان ) ) [1] ، ويقول عبدالله بن مسعود:"ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق، أو مريض" [2] .
فالمساجد مزارات ضيوف الله، وحقٌّ على المزور أن يُكرِم من زاره، وهو - تعالى - أكرمُ الأكرمين، ومن المساجد تصعد الأعمالُ الصالحة، وفيها تنزل الرحمات، كيف لا؟! والمساجد مدارسُ لتعليم الدِّين، وتهذيبِ النفوس، وتقويمِ الأخلاق، وصقلِ العقائد وإنارتها، مدارسُ لتلاوة كتاب الله، ومصحَّاتٌ لأمراض القلوب، التي هي أخطر من أمراض الأجسام.
إن عمارة المساجد من أبرز أعمال البِر، الذي يخلد بعد صاحبه، ويُبقي له الذِّكرَ الحسن، والثناء الجميل، والأجر العظيم [3] .
وقال الشاعر:
وَخَيْرُ مَقَامٍ قُمْتَ فِيهِ وَحِلْيَةٍ = تَحَلَّيْتَهَا ذِكْرُ الإِلَهِ بِمَسْجِدِ
وأحد السبعة الذين يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظل إلا ظله: رجلٌ قلبه معلَّق بالمساجد،
(1) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
(2) رواه مسلم.
(3) "أحاديث الجمعة"، 1/ 130، للشيخ عبدالله بن حسن القعود.