الصفحة 100 من 530

والمؤمنون بالله واليوم الآخر أعطَوُا المساجدَ حقَّها من العناية بها، وعمروها وتعلَّقت بها قلوبُهم؛ وذلك لفضلها، وعظيم شأنها عند الله، ثم عند المسلمين، الذين ما كانت لهم معاهدُ، ولا مدارس، ولا أنديةٌ، إلا المساجد، وفيها يقومون واقفين بين يدي الله، مذعنين له بالعبودية كلَّ يوم وليلة خمس مرات، وقد ألصق الشريفُ منهم كتِفَه بالضعيف، واحتكَّ جسمُه بجسمه قيامًا وركوعًا، وسجودًا وقعودًا، لا يتقدَّم أحدٌ على أحد، ولا يستأثر مسلمٌ على آخر بمكان أو نظام يخصه، إلا العلماء وأولو الأحلام والنهى، فيقدَّمون لمراقبة الإمام والأخْذ عنه، ولما قد يقع قبل الصلاة أو بعدها من مبادلة الرأي والشورى، التي جعلها الله للمؤمنين: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] .

وقد كان للمساجد عند أهلها من التقدير ما نشاهد آثارَه اليوم باقيةً فينا، فكم أكثروا منها وزيَّنوها، وحبسوا عليها من الأوقاف العظيمة ما يقوم بشأن الأئمة والمؤذنين فيها، وفرشها ومطاهرها، وسرجها ومجامرها، ومكاتبها المعدة للمعلمين والمتعلمين!

ولكن بعض الناس اليوم - وللأسف الشديد - أهملوا المساجد وتركوها، وظنُّوا أنها لا تُبنى إلا للضعفاء، والمرضى، والشيوخ، والعميان، ومن لا حاجة له بالدنيا، ناسين أن آباءهم الأوَّلين، وسلفهم الصالحين، ما كانوا يبايعون الأئمةَ إلا فيها، ولا يُخرِجون الجيوش الفاتحين إلا منها، ولا يطلبون العِلم إلا بين جدرانها، فكانوا إذا حزَبَهم الأمرُ، اجتمعوا له في المسجد، وتشاوروا فيه، وللعلماء في المساجد المجالسُ العامرة بمختلف العلوم، وفي مقدمتها القرآنُ وتفسيره والسنة المطهرة؛ وبسبب ذلك تنزل السكينة، وتغشى الرحمة، وتحف الملائكة، ويَذكر الله القارئين والذاكرين فيمن عنده، فلو رجع لبيوت الله ما كانت عليه من إقامة الشعائر، واجتماع المسلمين فيها، لتعلَّقتْ بها قلوب كثيرٍ من الذين أعرضوا عنها واستخفوا بشأنها [1] .

ومن عمارة المساجد: صونُها عما لا يليق بها من الأقوال، والأفعال، والنجاسات، والروائح الكريهة، والأوساخ المؤذية، وذلك من تعظيمها، وفي حديث جابر بن عبدالله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من أكَلَ البصل والثوم والكراث، فلا يقربنَّ مسجدَنا؛ فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم ) )؛ متفق عليه، واللفظ لمسلم.

وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه:"ثم إنكم - أيها الناس - تأكلون شجرتين، لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل، والثوم؛ لقد رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد ريحَهما من رجلٍ في المسجد،"

(1) "إصلاح المجتمع"، ص52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت