و إنما حمل هذه الطائفة على ارتكاب هذه الطرق المهلكة في الدين أنهم لمّا احتاجوا إلى ما يحتاج إليه الناس من المأكل والمشرب والملبس وسائر المآرب التي يحتاج الإنسان إليها ، ولم تكن لهم لا صناعة ولا حرفة يتعيشون بها ، أو كانت و صَعُب عليهم الكدّ في طلب المعاش ، وتكلُّف الخدمة لخسّة همتهم بركونهم إلى الدَّعة والراحة ، فسوَّل لهم الشيطان و زيَّن لهم هذه الطريقة التي هي لهو ولعب ، ولبَّسوا فيها على الجُهَّال بالذِّكْر الذي يفتتحون به مجالسهم ، ولَبِسوا المرقّعات و نَصَبوها شبكةً إذ كانت لباسَ الخِيَار من أهل هذه الطريقة قبل أن تدخلها البدع و الضلالات . وقالوا لهم: هذه طريقة الأولياء ، وهي أقرب الطرق إلى الله و إلى نيل رضاه والكونِ في جواره في الآخرة ، فتهافت الجهّال عليهم وأوصلوهم إلى ما شاءوا من نيل شهواتهم إلى أقصى الغايات ؛ فالإنسان إذا قيل له كُل واشرب واشطح وتلذذ بالغنا والْهُ والعب طول عمرك ولا تتعب في عبادة ولا غيرها ثم مصيرك في الآخرة إلى أعلى الدرجات مع الأولياء والصالحين ، فيرى أن هذه الجنة معجلة قبل الموعود بها ، وأنه قد حصل على ما لا غاية بعده من السعادة .