واتفق علماء المسلمين على استحباب السفر إلى بيت المقدس للعبادة المشروعة فيه: كالصلاة والدعاء، والذكر، وقراءة القرآن والاعتكاف. وقد روي من حديث رواه الحاكم في صحيحه:"أن سليمان عليه السلام سأل ربه ثلاثًا: ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وسأله حكمًا يوافق حكمه، وسأله أنه لا يؤم أحد هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه إلا غفر له".
ولهذا كان ابن عمر رضي الله عنه يأتي إليه فيصلي فيه ولا يشرب فيه ماء؛ لتصيبه دعوة سليمان لقوله:"لا يريد إلا الصلاة فيه"فإن هذا يقتضي إخلاص النية في السفر إليه، ولا يأتيه لغرض دنيوي ولا بدعة.
وتنازع العلماء فيمن نذر السفر إليه للصلاة فيه أو الاعتكاف فيه، هل يجب عليه الوفاء بنذره؟ على قولين مشهورين، وهما قولان للشافعي:
أحدهما: يجب الوفاء بهذا النذر وهو قول الأكثرين: مثل مالك، وأحمد بن حنبل، وغيرهما.
والثاني: لا يجب وهو قول أبي حنيفة؛ فإن من أصله أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان جنسه واجبًا بالشرع؛ فلهذا يوجب نذر الصلاة والصيام والصدقة والحج والعمرة، فإن جنسها واجب بالشرع ولا يوجب نذر الاعتكاف، فإن الاعتكاف لا يصح عنده إلا بصوم، وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
وأما الأكثرون فيحتجون بما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالنذر لكل من نذر أن يطيع الله، ولم يشترط أن تكون الطاعة من جنس الواجب بالشرع، وهذا القول أصح.
وهكذا النزاع لو نذر السفر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه أفضل من المسجد الأقصى، وأما لو نذر إتيان المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب عليه الوفاء بنذره بإتفاق العلماء". مجموع الفتاوى (27/ 5 - 7) ."
وقال أيضًا: