بدليل ما ثبت عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال للرسول -صلى الله عليه وسلم-:"إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء" (51) .
"فهذا بيع للثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه، فما الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السلم بغيره" (52) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:
"إن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه هو في الطعام المعين، وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته عنه، لا حدوث ملكٍ له، فلا يقاس هذا بهذا، فإن البيع المعروف هو أن يملك المشتري ما اشتراه، وهنا لم يملك شيئًا، بل سقط الدين من ذمته وهذا لو وفاه ما في ذمته لم يقل إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه، بخلاف ما لو باعه دراهم معينة، فإنه بيع" (53) .
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
"وأما نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الطعام قبل قبضه فهذا إنما هو في المعين، أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن، فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه، وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته عنه، لا حدوث ملكٍ له فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة، فإنه إذا أخذ منه عن دين السلم عرضًا أو غيره أسقط ما في ذمته، فكان كالمستوفي في دينه لأن بدله يقوم مقامه، ولا يدخل هذا في بيع الكالئ بالكالئ بحال، والبيع المعروف هو أن يملك المشتري ما اشتراه، وهذا لم يملكه شيئًا، بل سقط الدين من ذمته، ولهذا لو وفاه ما في ذمته لم يقل إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه، بخلاف ما لو باعه دراهم يسمى بيعًا، وفي الدين إذا وفاها بجنسها لم يكن بيعًا فكذلك إذا وفاها بغير جنسها لم يكن بيعًا، بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة" (54) .
الثاني: أن النهي عن بيع المبيع قبل قبضه مختص بما إذا باعه على غير بائعه، أما إذا باعه على بائعه فجائز (55) .
فإن قيل: ما الجواب عن قول الموفق ابن قدامة -رحمه الله-:"وأما بيع المسلم فيه قبل قبضه فما نعلم في تحريمه خلافًا .." (56) .
فالجواب:"أنه قال بحسب ما علمه، وإلا فمذهب مالك أنه يجوز من غير المستسلف، كما يجوز عنده بيع سائر الديون من غير من هو عليه، وهذا أيضًا إحدى الروايتين عن أحمد، نص عليه في مواضع بيع الدين من غير من هو عليه، كما نص على بيع دين السلم ممن هو عليه، وكلاهما منصوص عن أحمد في أجوبة كثيرة من أجوبته، وإن كان ذلك ليس في كتب كثير من متأخري أصحابه، وهذا القول أصح، وهو قياس أصول أحمد، وذلك لأن دين السلم مبيع" (57) .