غيرهما، وسواء باعه على من هو عليه، أو غيره، لكن بشروط -كما سيأتي- لأنه لا دليل على المنع، والأصل حل البيع، ولأن ما في الذمة مقبوض للمدين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"ويجوز بيع الدين في الذمة من الغريم وغيره، ولا فرق بين دين السلم وغيره، وهو رواية عن أحمد (33) ، وقال ابن عباس، ولكن بقدر القيمة فقط، لئلا يربح فيما لم يضمن" (34) .
ومن المناسب هنا الكلام عن هاتين المسألتين:
المسألة الأولى: الدين الذي يجوز بيعه.
يجوز بيع كل دين مستقر -من ثمن مبيع، وأجرة استوفي نفعها، أو فرغت مدتها، وقرض، ومهر بعد الدخول، وجعل بعد عمل، وديةٍ، وأرش، وقيمة متلف، -إلا دين السلم"المسلم فيه"على المذهب (35) .
وقد نص الإمام أحمد في رواية: على جواز بيعه كذلك.
واختار شيخ الإسلام (36) وتلميذه العلامة ابن القيم (37) ، والعلامة ابن سعدي (38) ، وتلميذه ابن عثيمين (39) ، لكن بقدر القيمة فقط لئلا يربح فيما لم يضمن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"وهذه الرواية أكثر في نصوص أحمد، وهي أشبه بأصوله" (40) .
وقال -رحمه الله-:"وهذا القول أصح، وهو قياس أصول أحمد، وذلك لأن دين السلم مبيع" (41) .
وقال رحمه الله:"وهو مذهب مالك، وقد نص أحمد، على هذا في غير موضع، وجعل دين السلم كغيره من المبيعات" (42) .
وقال رحمه الله:"وهو قول ابن عباس، ولا يعرف له في الصحابة مخالف، وذلك لأن دين السلم دين ثابت، فجاز الاعتياض عنه كبدل القرض، وكالثمن في المبيع، ولأنه أحد العوضين في البيع فجاز الاعتياض عنه، كالعوض الآخر" (43) .
وقال ابن القيم -رحمه الله-:"وهو اختيار القاضي أبي يعلى، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الشافعي، وهو الصحيح، فإن هذا عوض مستقر في الذمة، فجازت المعاوضة عليه، كسائر الديون، من القرض وغيره" (44) .
فإن قيل: ما الجواب عن حديث:"من أسلف في شيء، فلا يصرفه إلى غيره" (45) .
فالجواب عنه من وجهين:
الأول: أن الحديث ضعيف (46) .
الثاني: أن المراد به أن لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر، لأنه بهذا سوف يتضمن الربح فيما لم يضمن (47) .
فإن لم يتضمن الربح فجائز، على الصحيح (48) كما سيأتي في القسم الرابع.
فإن قيل: إن بيع دين السلم"المسلم فيه"بيع لما لم يقبض، والبيع قبل القبض منهي عنه (49) . فالجواب عن ذلك من وجهين:
الأول: أن النهي إنما كان في الأعيان لا في الديون" (50) ."