وقد استثني ابن حزم من ذلك الوعد بالديون الواجبة والأمانات الواجب أدواها والحقوق المفترضة، وذكر أيضا انه يكون في إخلافه خصلة من خصال النفاق [1]
واستدل الجمهور من الفقهاء بان الواعد محسن بما وعد من خير فلا يجير علي المضي فيه، وما استدل به القائلون بلزوم الوعد والقضاء به من الأحاديث الصحاح إنما يلزم ذلك ديانة ومروءة، وهي ليس علي ظاهرها كما يقول ابن حزم، فقد ذكر أن من وعد بما لا يحل أو عاهد علي معصية فلا يحل له الوفاء بشي من ذلك، كمن وعد بزني، أو بخمر أو بما يشبه ذلك، ثم يقول ابن حزم أيضا فصح انه ليس كل من وعد فاخلف، أو عاهد فغدر مذمومًا ولا ملمومًا، ولا عاصيًا، بل قد يكون مطيعًا مؤدي فرض، فان ذلك كذلك فلا يكون فرضًا في أنجاز الوعد، والعهد، إلا من وعد بواجب عليه كأنصاف من دين أو أداء حق الحنث بالنص والإجماع المتيقن، فإذا سقط عنه الحنث لم يلزمه فعل ما حلف عليه، ولا فرق بين وعد اقسم عليه، وبين وعد لم يقسم عليه. والوعد لا يصح بغير استثناء لقوله تعالي (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله) [2] . فوجب أن من وعد ولم يستثن فقد عصي الله تعالي في وعده ذلك، ولا يجوز أن يجبر أحد علي معصية فان استثني فقال: إن شاء الله تعالي أو إلا أن يشاء الله تعالي أو نحوه مما يعلقه بإرادة الله عز وجل، فلا يكون مخلفًا لوعده إن لم يفعل، لأنه إنما وعده أن يفعل أنشاء الله ـ وقد علمنا 'ن الله تعالي لو شاءه لأنفذه، فإن لم ينفذه فلم يشاء الله تعالي كونه [3] . واستبدل الجمهور أيضا بجملة من الآثار تفيد في مجملها أن إخلاف الوعد لا حرج فيه ولا إثم فيه كذلك، وما دام الوفاء بالوعد مباحًا فلا يلزم ولا يقضي به، ومن هذه الآثار:
1 ـ ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا وعد الرجل أخاه وفي نيته أن يفي فلم يف ولم يجئ للميعاد فلا إثم عليه) [4]
(1) المصدر السابق:378:8، وانظر ايضًا الأحكام في اصول الأحكام:604:5 يقول ابن حزم: ( فصح بهذا يقينًا أن الوعد الذي يكون في خلافه خصلة مكن خصال النفاق إنما هو الوعد بما افترض الله تعالي الوفاء به، وألزم فعله وأوجب كونه، كالديون الواجبة والأمانات الواجب أداوها والحقوق المفترضة فقط. لا ما عدا ذلك، فان هذه الوجوه قد أوجب الله تعالي الوعيد علي العاصي في ترك أدائها، وأوقع الملامة علي المانع منها وأمر بادئها وإن كان عز وجل لم يرد كون ما لم يكن منها، ولا حجة لنا علي الله تعالي، بل لله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين .... )
(2) سورة الكهف الآيات:23،22
(3) المحلي لابن حزم:380،379،378:8:
(4) أخرجه أبو داوود والترمذي وسعيد بن منصور في سننه. وقال الترمذي عنه: هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي. وفيه علي بن عبد الاعلي ثقة، وأبو النعمان مجهول، وأبو وقاص مجهول. انظر سنن أبي داوود: 409:4 (كتاب الأدب) وسنن الترمذي:131:4 (أبواب الأيمان) وفيض القدير:453:1.