لذلك فإن كلا الحديثين المحتج بهما لا يصح الاستناد إليهما لما فيهما من علل قادحة فأحدهما باطل و الآخر ضعيف جدًا وفق أقوال أهل العلم المعتبرين (1) .
أما الحديث الثالث فهو حديث صحيح متفق على صحته و لا شك بدخول بيع المسترسل ضمن أحكام هذا الحديث ، لأن فيه نقصان في قيمة السلعة و هذا ظلم لا ترضى بها أحكام الشريعة الإسلامية و قواعدها .
و بناء على ما تقدم فإننا نرى أن الرأي القائل بأن العقد المشوب بالاسترسال له حكمه و آثاره الخاصة به هو الراجح للأسباب التالية:
أنهم احتجوا بحديث ( لا خلابة ) و هو حديث صحيح متفق عليه رواه البخاري و مسلم و مالك و أحمد و الترمذي و النسائي و ابن ماجه . و هذا الحديث في وجه قد أثبت الخيار ثلاثًا (2) لكل من يشترط عدم الخديعة و الغبن في العقد المبرم ما بين البائع و المشتري ، لأن العبر بعموم لفظ الحديث لا بخصوص السبب و الحادثة .
أي أن الحديث النبوي الشريف لا يخص الصحابي الذي به ضعف في عقله فقط بل إن حكم الحديث يشمل كل من اشترط عدم الخديعة الغبن في البيع ، و لا جرم أن المسترسل يدخل ضمن دائرة أحكام هذا الحديث ، لأنه صرح للبائع بأنه لا علم له بقيمة السلعة و استنصحه في ذلك و كأنه اشترط عدم الخديعة و الغبن في البيع أو الشراء ، فإذا ما شاب العقد خديعة أو ما أي شائبة في الرضا فيثبت حينئذ للمسترسل خيار العقد الذي يُمكنه من فسخ العقد و إعادة الأمور إلى نصابها الصحيحة .
إن الشريعة الإسلامية كلها رحمة و حكمة ، وهي تقف مع الحق أينما وجد فكيف بمن به ضعف و خلل بحكمه فمن باب أولى أن تقف نصوص الشرع ومن يطبقها بجانب هؤلاء الذين لا يحسنون البيع و الشراء أو الذين لا يعرفوا كيف يحموا أنفسهم و أموالهم من أصحاب النفوس المريضة و الضعيفة .
(1) - انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة و الموضوعة و أثرها السيئ في الأمة للشيخ ناصر الدين، ج2/118.
(2) - الشوكاني ، نيل الأوطار ، ج6/329.