الصفحة 1 من 6

بين"عقيدة الثورة"و"ثورة العقيدة"

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فأي مظهر من مظاهر النشاط الإنساني لابد له من فكر أو اعتقاد قد نبع منه، بحيث يكون ذلك النشاط بالنسبة إلى هذا الفكر أو الاعتقاد كالفرع بالنسبة إلى أصله.

والإنسان عقيدي بطبعه، والحكم على سلوكه أو تكوين موقف تجاهه، لا يمكن أن يكون صحيحا إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار ذلك الاعتقاد الذي نجم عنه هذا السلوك، لأن الاعتقاد لا يؤثر في تحديد السلوك فحسب، بل وفي تحديد الدوافع والنيات، ويحدد كذلك الأهداف والغايات، ومعرفة الدوافع والأهداف لها الأهمية القصوى في تقييم أي سلوك والحكم عليه وتكوين موقف تجاهه.

وبناء على ذلك، لو افترضنا أن أكثر من شخص قد اتفقوا على سلوك واحد مع اختلافهم في الاعتقاد الذي نجم عنه هذا الفعل، فإنهم سيختلفون حتما في الدوافع وستختلف أهدافهم من وراء ذلك الفعل كذلك، وعليه، فإن مواقفنا تجاه سلوكهم المتماثل ستختلف ولابد.

وفي ضوء ذلك يكون النظر إلى الأحداث الحالية في مصر.

لقد خرج في يوم الخامس والعشرين من يناير مظاهرات تدعوا إلى الإصلاح والتغيير، نظمها مجموعة من الشباب عرفوا بعد ذلك بحركة شباب 25 يناير، وكانت هذه المظاهرات بمثابة الشرارة التي أشعلت النار في كل ربوع مصر، لا سيما والمشهد التونسي مازال حاضرا في أذهان الجميع.

وحصل ما لم يكن أحد يتوقعه، لا النظام ولا المراقبون ولا الشباب أنفسهم، حصل انفجار شعبي رهيب خرج على إثره الملايين، يهتفون ضد القمع والظلم والفساد، وينادون بدورهم بالإصلاح والتغيير.

وانضمت إلى حركة الشباب وحشود الجماهير تجمعات سياسية مختلفة منها أحزاب المعارضة وأكبرُها جماعة الإخوان المسلمين.

وبالرغم من أن هذه الاتجاهات والحركات والأحزاب وحشود الجماهير، قد اتفقوا جميعا على خطوط عريضة تمثل مصالح مشتركة تهم كل مواطن في مصر، كمحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، وإلغاء قانون الطوارئ الذي طالما استعمل كذريعة للبطش والظلم والقهر، والمطالبة بإصلاحات اقتصادية ترفع من مستوى معيشة الفرد وتضمن له حياة كريمة، والمطالبة بتعديل الدستور بشكل يضمن عدم التوريث ويفتح باب الترشح لرئاسة الجمهورية، وضمان إشراف قضائي حقيقي على الانتخابات ... الخ.

بالرغم من اتفاق الجميع على كل ذلك إلا أن إنكار أن هناك فوارق جوهرية بين هذه التجمعات يعد دربا من المكابرة، أو حيلة سياسية، أو على الأقل نوعَ تشويش أصاب الكثيرين في هذه الأزمة التي اتسمت بالضبابِيَّة.

فعامة الحشود الجماهيرية عناها بالدرجة الأولى الإصلاحات الاقتصادية والفساد وسوء توزيع الثروات، الذي أدى إلى معاناتهم من الفقر وتوابعه.

بينما عنى حركة الشباب بالدرجة الأولى الإصلاحات الدستورية، وقضية التوريث والحريات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت