الصفحة 2 من 6

والتقت معهم الأحزاب وجماعة الإخوان في ذلك مع بقاء اختلاف جوهري بينهم.

فمصطلحات التغيير والإصلاح مصطلحات شديدة المطاطية ونسبية إلى أبعد الحدود، والإصلاح الذي يمكن أن نتفق على لفظه، سنجد أنه عند تفسير مضمونه وإنزاله على الواقع، يتباين تباينا كبيرا، تختلف درجته على حسب تباين المعايير والضوابط، أو بلفظ آخر على حسب تباين الأفكار والعقائد.

ولذلك لا يسعنا أن نؤيد كل من يرفع رايات الإصلاح دون أن نعرف تفسيره الخاص لهذه الكلمة، وهذا يمكن معرفته بمعرفة فكره أو عقيدته.

ولأن الراية الآن بيد حركة شباب 25 يناير، ولأن صوتهم هو الأعلى وهم قادة الموقف؛ بحيث انضوت تحتهم كل التجمعات والأحزاب المشارِكة فضلا عن الحشود الجماهيرية، فإن ما سيقدمونه من تفسير للإصلاح سيكون هو التفسير المعتمد الذي لن يجرؤ أحد من مشاركيهم على مخالفته.

ولذلك لابد أن نقف عند أفكارهم لنحدد موقفنا تجاه تلك الحركة التي تطورت إلى ثورة هم قادتها.

إن القاصي والداني يعلم أن هذه الحركة تطالب بدولة مدنية، ولم يسع بقية المشاركين من جميع الاتجاهات إلا ترديد نفس المطلب أو على الأقل قبوله.

والدولة المدنية مصطلح مترجم ومعرب من الثقافة الغربية الحديثة، ويقصد به الدولة التي تستقل بشؤونها عن هيمنة وتدخل الكنيسة؛ فالدولة المدنية هي التي تضع قوانينها حسب المصالح والانتخابات والأجهزة والتي في نفس الوقت لا تخضع لتدخلات الكنيسة، والكنيسة في الغرب كانت هي راعية الدين والممثلة له؛ فاستقلال الدولة المدنية عن تدخل الكنيسة ووضعها للقوانين حسب المصالح، معناه عند القوم استقلالها عن الدين، وهو ما يعني أن الدولة المدنية هي الدولة العلمانية، وهى مقابلة للدولة الدينية، إذًا فهؤلاء الشباب"أصحاب مرجعية علمانية"، أو بلفظ أخف وطأة وأقل حدة"أصحاب مرجعية ليبرالية".

والليبرالية أيديولوجية [1] تقوم على الفكرة الموروثة عن الإغريق وهي حماية الفردية التي يصل احترامها إلى درجة التقديس، بحيث تكون حماية حرية الفرد هى دور النظام الرئيس وغاية المجتمع، سواء حريته الشخصية أو السياسية أو العقائدية أو الاقتصادية ... الخ.

وهذا الأصل المذهبي لليبرالية يرتد لمذهب"الحقوق الطبيعية"حيث ظهر كبديل للحقوق الإلهية في العصور الوسطى وكرد فعل لسيطرة الكنيسة على الحياة وقهرها للعقل والعلم، وهذا ما لم يشهده الإسلام في أي عصر من عصوره لتوافق العلم والعقل الصحيح مع دين الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي عصمه الله من التحريف والتبديل.

ومضمون فكرة"الحقوق الطبيعية"أن الأفراد يتلقون حقوقهم مباشرة من احتياجاتهم التي تمليها عليهم طبيعتهم ورغباتهم، ودون الحاجة إلى إملاء أي جهة حتى ولو كانت هذه الجهة هي الدين!.

وهذا عرض سريع لأهم وأبرز مبادئ الليبرالية وبيان لمناقضتها للإسلام:

(1) الأيديولوجية مصطلح يقصد به الأصول المذهبية الفلسفية الوضعية أو هي مجموعة الأفكار والمبادئ التي تكون قيم مجتمع ما وتفرز النظام القانوني والاقتصادي والاجتماعي لهذه الدولة، ويستعمل مصطلح الأيديولوجية للتعبير عن الأفكار الوضعية التي أفرزتها عقول بشرية بينما يستعمل لفظ عقيدة فيما يتعلق بمبادئ وأصول الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت