بشعار إسلامي، بل صرحوا في وسائل الإعلام المختلفة، أنهم لن يتركوا التيار الإسلامي يحكمهم، وأنهم يمنعون أي أحد من إظهار الهوية الإسلامية في المظاهرات ولو بالقوة.
وفي الوقت الذي منعوا فيه الشعارات الإسلامية من الظهور مبررين ذلك بأن الوقت ليس وقت فرض عقائد أو أفكار أو أيديولوجيات وأن مصر فوق الجميع تراهم يرفعون أصواتهم مطالبين بالدولة المدنية التي هي ثمرة الأيديولوجية الليبرالية.
فإذا كانوا وهم في ميدان التحرير يمارسون هذا القمع المبكر جدًا ضد الإسلاميين، ويناقضون عين المبادئ التي خرجوا من أجلها، فكيف لو وصلوا أو وصلت مبادئهم ومطالبهم إلى سُدة الحكم؟!
إن التاريخ وطبائع الأشياء، يدلان بما لا يدع مجالا للشك، على أن الأنظمة الوضعية لا يمكن أن تعطي الفرصة الكاملة للإسلام أن يظهر أو يحكم أبدا، حتى ولو كانت هذه الأنظمة ديمقراطية، لأنهم يعلمون أن أنظمتهم تناقض الإسلام مناقضة تامة، وأن ظهور الإسلام يعني انحصار أيديولوجياتهم وسقوط أنظمتهم، وتأمل ما قالته"جين كيركباتريك"التي كانت ممثلة عن الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة حين سئلت عن سبب دعم بلادها لأنظمة قمعية مع أنها تنصب نفسها حارسة للحريات في العالم أجمع، لقد قالت:"صحيح أن حكامها ديكتاتوريون ولكنهم ديكتاتوريونا"!!
ولنتأمل ما فعلته الأنظمة الليبرالية مع حماس حين وصلت إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع التي يقدسونها، أو مع الإسلاميين في الجزائر وغيرها.
وإن انضواء بعض الإسلاميين تحت راية هذه الثورة ذات الواجهة الليبرالية، أو انبهار البعض بإنجازاتها وتمجيده لها دون انتقادٍ لمبادئها الليبرالية، مصحوبا بصدعٍ واجبٍ بالمطالب الإسلامية، وعلى رأسها تحكيم الشريعة، نوع من أنواع الامتزاج والفناء الذي يفقد فيه المرء كثيرا من هويته الإسلامية الخالصة، التي هي مصدر عزته وقوته، في مقابل تحصيل بعض المكاسب المتوهمة، ثم يفاجأ في النهاية أنه قد خسر كل شيء.
ولعلنا نعتبر بمساندة الإخوان للضباط الأحرار الاشتراكيين وكيف انقلبت عليهم الثورة بعد ذلك ونكلت بهم نكالا لم يعرف الإخوان مثله على مر تاريخهم.
نعم هؤلاء الشباب لديهم قدرة كبيرة على التنظيم وتجميع أعداد كبيرة من الناس.
ونعم لديهم الشجاعة الكافية للوقوف في وجه ذلك النظام الذي ظل يبطش بمعارضيه على مدار ثلاثين عاما.
ونعم لهم أثر كبير في محاربة الفساد في مصر، وكل ذلك سيذكره لهم التاريخ.
ولكن .. يبقى التباين بين أيديولوجية ثورتهم، وعقيدة التغيير الذي نريده نحن، حدًا فاصلًا لا يجوز أن يتلاشى في ضوء الافتتان بإنجازات ثورتهم البراقة.
أسأل الله أن يُرَشِّد خطانا وإياهم، وأن يأخذ بنواصينا جميعا إلى ما يحبه ويرضاه من إقامة دينه وتحكيم شرعه، وأن يحفظ مصر وسائر بلاد المسلمين، إنه ولى ذلك والقادر عليه.
أبوحفص أحمد بن عبد السلام السكندري