الصفحة 5 من 6

لقد ألف الإسلام بين عمر القرشي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي، وصهرهم في بوتقة واحدة، وجعلهم جميعا سواسية، لا فضل لأحدهم على الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح، فنسي كل واحد منهم قومه وعرقه وقبيلته ولم يعد ينتمي إلا إلى جماعة المسلمين، وهذا الذي فعله الإسلام من توحيد الأمم المتنافرة المتباينة فَشَلَت كل الأنظمة والأيديولوجيات في فعله.

وأما التعددية المثمرة التي لا تؤدي إلى تحزيب الأمة وتفريقها، فهي من باب الخلاف السائغ الذي احتفى به علماء المسلمين على مر التاريخ، والذي من أهم قيوده وشروطه عدم مناقضة الأصول والثوابت الإسلامية.

-الليبرالية تقول:"مساواة"هكذا بإطلاق، وهي كلمة تبدو جميلة، بيد أن تطبيقها الليبرالي غاية في القبح، فالمساواة بين الأشياء التي خلقها الله مختلفةً غير متساوية هو عين الظلم.

-والإسلام يقول:"عدل"، والعدل يقتضي التسوية بين الأشياء المتساوية والتمييز بين الأشياء المتمايزة، وإنزال كل شيء منزلته التي أنزله الله إياها بلا وكس ولا شطط.

قال تعالى:"وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ"، وقال جل وعلا:"وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ".

من أجل كل هذا التباين بين الإسلام و القيم الليبرالية، لا يجوز أن نؤيد من يرفع شعارها أو يتشبع بمبادئها ويطالب بها وينطلق منها تأييدا مطلقا، وهذا لا يعارض أننا نؤيده فيما عنده من الحق، ونتفق معه على معاداة الظلم والفساد والقهر، ونحمد له دوره في محاربته.

ومع علمنا بأن مطالب الجماهير التي خرجت مطالب عادلة، إلا أننا نعلم كذلك أنها قد تُستعمل في كثير من الأحيان، كمطية يعتليها أصحاب الأفكار والأيديولوجيات، لإضفاء نوع من الشرعية على أفكارهم، وإظهار أنها تحظى بتأييد جماهيري واسع، أو لإيهام الشعوب أن طريق تحقيق هذه المطالب لا يكون إلا من خلال تطبيق هذه الأفكار، وذلك عن طريق الربط بينهما، كما رأينا في ميدان التحرير من ربط بين مطالب الجماهير، وبين فكرة الدولة المدنية، والتاريخ يشهد أنه لطالما استعملت المذاهب الوضعية سواء الشيوعية أو الليبرالية، شعارات محاربة الظلم الاجتماعي، والفساد، والاستبداد، كذريعة لاعتلاء أعناق الجماهير، ثم بعد ذلك تمارس أسوأ صور الاستبداد والقمع ضد الإسلام، إما بالحديد والنار كما فعل الشيوعيون، أو بمحاكمة الإسلام إلى مبادئ وأصول وتاريخ الحضارة الأوروبية التي نبذت الدين بسبب معطيات خاصة بها وبالمسيحية، غير موجودة لا في دين الإسلام ولا في تاريخنا، وهذا ما فعلته وتفعله الليبرالية.

من أجل ذلك التباين المذكور لا يسعنا أن نسير في ركاب الليبراليين وأن ننضوي تحت رايتهم، لأن الإسلام والليبرالية متناقضان لا يسعهم مكان واحد، إلا إذا تنازل طرف عن بعض ثوابته، وهذا ما فعله البعض للأسف الشديد.

ولأن الليبراليين يعلمون هذا جيدا؛ لم يفسحوا المجال للهوية الإسلامية أن تظهر في ثورتهم، وعلى الإسلاميين الذين يقفون تحت مظلتهم والذين يطلقون عنان المديح والتمجيد بلا قيود لهذه الحركة أن يعتبروا بذلك.

إن الليبراليين أنفسهم مع ما يناضلون من أجله من قيم الحرية والتعددية لم ولن يمنحوا الإسلاميين حق التمتع بهذه الحريات بذات القدر الذي يطالبون به لأنفسهم؛ ولذلك لم يسمحوا لأحد في ميدان التحرير، أن يرفع لافتة إسلامية، أو يهتف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت