تأليف
أبي يزن حمزة بن فايع الفتحي
(بين الأذانين) من المجالس ... ألقيتها بالسعد والتآنس
في جامع الروضة من قديم ... بالشرح والتدليل والتفهيم
إليكها يالصائم القوام ... لتعلو النفس ولا تضام
فالفخر بالعلم وبالمسائل ... وبالتباكير إلى الفضائل
فراجعنها غاية المراجعة ... وصححن من غير ما منازعة
فإنها من جهد ذا المقل ... في العلم والترتيل والتحلي
والله نرجو لذة الإخلاص ... وقفو ذا الحق بلا انتكاص
مقدمة
الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على خاتم النبيين, وسيد العابدين والصائمين , صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فهذه عشرون درسًا للصائمين , ألقيتها بفضل الله تعالى في رمضان 1422هـ في جامع الروضة (اليحيا) بين الأذان والإقامة , قبل صلاة العشاء والتراويح , قصدت فيها السهولة والوضوح , والإيجاز , حيث كان لا يتجاوز وقتها ثلث الساعة , وكان لها عظيم الأثر على نفسي وعلى إخوانى الحرصاء على العلم والفائدة , مما حدا بي أن أقيدها بعد الفراغ منها , حسب العناصر التي أمامي , فجاءت كما ترى قريبة التناول , سهلة المناهل , لطيف فهمها , ممكن ارتيادها.
فحفزني ذلك إلى تقييدها لنفسي أولًا , ثم لينتفع بها من شاء من إخواني أئمة المساجد وطلبة العلم, فمثلها يوفر علي وقتًا كثيرًا, وأعود إليها متى أريد. وأستغني بها عن مطولات مبسوطات , وأستذكر بها مواقف طيبة من شهر الخيرات وموسم الرحمات , رمضان الذي هو بحق مدرسة الأجيال لمن صامه بصدق , وتأمله بحق , وعاش حلاوته وأسراره ومغازيه.
جعلني الله وإياكم ممن علم فعمل , وتكلم واتقى , ووعظ واتعظ , آمين
المؤلف
27 رمضان 1422
الدرس الأول
يا باغي الخير أقبل
الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه , أما بعد:
فأولًا: نهنئ الإخوة الكرام ببلوغ رمضان , ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لإحسان العمل , والتزود من الخيرات في هذا الشهر الكريم , ولا نجد غضاضة بالتهنئة والتبريك برمضان لكل مسلم , لورود ما يدل على ذلك , وقد أشار ابن رجب رحمه الله في كتابه (لطائف المعارف) إلى شرعية ذلك , وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبشر صحابته ويهنئهم , ويحضهم على العمل والمسارعة.
ومدرك رمضانَ ذو نعمة من الله عظيمة , تستدعينا لتهنئته, وتشجيعه للجد , واستغلال الوقت , وقد قال تعالى في موضعين من كتابه (فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ) .
ثانيًا: ها هو رمضان يا مسلمون طلّت نجومه , وبزغت أنواره , وتغشتنا سعادته , شهر الخيرات والبركات , وموسم الحسنات والطيبات , فأين طلابه وأحبابه , وأين عباده وقوامه؟! قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين (إذا جاء رمضان , فُتِّحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار, وصُفِّدت الشياطين) .
حتى الجنان تهنأ برمضان , فتفتح أبوابها ابتهاجًا بالفائزين والراغبين , وفي هذا دليل على أن رمضان باب من أبواب الجنة, أعني إحسان العمل فيه , والمسارعة إلى الله بصدق وإخلاص.
فأين أنت يا باغي الخير من هذا الفضل؟! أقبل إلى رحمة وغفران , ونعيم وجنان ولذة وابتهاج.
أخرج الترمذي وغيره من طريق أبى صالح عن أبي هريرة رضى الله عنه , أن البنى صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان , صفدت الشياطين ومرده الجن , وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب , وفتحت أبواب الجنة , فلم يغلق منها باب , وينادي منادٍ , يا باغي الخير أقبل , ويا باغي الشر أقصر , ولله عتقاء من النار , وذلك كلَّ ليلة) "."
وهذا حديث عظيم في فضل رمضان , ألا يحرِّك مشاعرنا للجد , إلا يأخذ بهممنا للمسارعة والمسابقة؟! في مثل هذا ليكن التسارع والتنافس (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ)
(المطففين الآية رقم 26) .
ومن فضائل هذا الشهر أنه شهر القرآن , قال تعالى
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ) (البقرة الآية رقم 185) .
ومن فضائله: أن صيامه وقيامه سبب لمغفرة الذنوب ففي الصحيحين , قال صلى الله عليه وسلم:
(من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) .
(من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) .
ومن فضائله: أن فيه الليلة العظيمة (ليلة القدر) التي عبادتها خير من عباده ثلاث وثمانين سنة كما قال ربنا تعالى (لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدرة الآية رقم 3) .
ومن فضائله: أنه موسم تجاب فيه الدعوات , وفي المسند عن جابر رضى الله بسند جيد , قال صلى الله عليه وسلم (لكل مسلم دعوة مستجابة يدعو بها في رمضان) إذن فليحرص المسلم على الدعاء بالجوامع في هذا الشهر لاسيما وقت الإفطار , وقد غفل كثير عن هذا الوقت.
ومن فضائل هذا الشهر: أنه تربية على الصبر والتحمل , والصائمون هم الصابرون , وقد قال تعالى (إنما يوفى الصابرون أخبرهم بغير حساب) (الزمر رقم 10) .
فاحرصوا يا مسلمون على استثمار أوقات هذا الشهر , واحذروا تضييعها والغفلة عنها.