الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
أيها الإخوة: نتحدث هذه الليلة عن أحكام القضاء بالنسبة لأهل الأعذار الذين عذرهم الله تعالى , وخفف عنهم الصيام فمع إيجاب الصيام على المكلفين إلا أنه لطف بعباده , وأذن لمن به عذر يشق معه الصيام , أن يفطر ويقضي بعد ذلك , أو يطعم ولا حرج عليه.
والأصل في ذلك قوله تعالى (فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر) .
والناس في أحكام القضاء أقسام:
1 -القسم الأول: الحائض والنفساء , فمتى رأت إحداهما الدم وجب عليها الفطر , ويحرم الصوم بإجماع المسلمين , وعليها القضاء بعد ذلك , ولا تقضي الصلاة. قالت عائشة رضي الله عنها: (كان يُصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم, ولا تؤمر بقضاء الصلاة) .
2 -القسم الثانى: المسافر , يفطر ويقضي إن أحب ذلك , أو كانت عليه مشقة , وإن وجد قوة وصام فلا حرج عليه , والأصل في فطره قوله تعالى (فمن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر) .
3 -القسم الثالث: الحامل والمرضع: وذلك إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما والراجع أن عليهما القضاء فقط , لأنهما في حكم المريض ويدل لذلك حديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه , أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(إن الله وضع شطر الصلاة والصوم عن المسافر , وعن المرضع و الحبلى الصوم) .
4 -القسم الرابع: المريض وهو على قسمين:
1 -مرض يُرَجى برؤه وشفاؤه , فهذا يفطر ويقضي إذا شُفي للآية السابقة.
2 -مرض لا يرجى برؤه كمن يصاب بالأمراض المستعصية , فهذا يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا , ومقداره نصف صاع من قوت البلد أو ما يعادل كيلو ونصف تقريبًا. ويلتحق بهذا القسم الشيخ الكبير والمرأة العجوز فإنهما يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينًا.
قال تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) .
والمعنى أن على الذين يتكلفونه أي الصيام ويشق عليهم , يجزيهم إطعام مسكين عن كل يوم , وهذا ما قاله حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
5 -القسم الخامس: الكبير الهَرِم , وهو من أصابه الخرف , واختل عقله فهذا لا صوم عليه ولاإطعام , لأنه ساقط عنه التكليف.
وحول القضاء ننبه على مسائل:
الأولى: أنه يكره تأخير القضاء إلى دخول رمضان آخر. وعلى المسلم المبادرة بالقضاء لأنه أسلم وأبرأ في الذمة.
وأما من فرط حتى دخل عليه رمضان آخر , فيجب عليه حينئذ مع القضاء إلاطعام كما أفتى بذلك جماعة من صحابة النبى صلى الله عليه وسلم.
وفى هذا يقول الناظم:
وجاء فيمن للقضاء يؤخر ... حتى أتاه رمضان آخر
عن فرقة من الصحابة القضا ... مع فدية إلا طعام عنهم حفظا
الثانية: لا يشترط التتابع في قضاء رمضان , بل تصح متتابعة ومتفرقة (فعدة من أيام آخر) وفي ذلك تسير على المؤمنين.
الثالثة: لا يسوغ صوم التطوع قبل القضاء! فمن كان عليه صيام من رمضان بدأ به أولًا ثم تطوع بعد ذلك , ولهذا كان القول الراجح أن الست من شعبان لا تصام إلا بعد القضاء لقوله عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم: (من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال , فكأنما صام الدهر كله) .
الدرس السادس عشر
مسألتان
الحمد لله رب العالمين , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
أيها الإخوة في الله: حديثنا في هذه الليلة عن مسألتين هامتين:
المسألة الأولى: التوبة في رمضان:
رمضان يا مسلمون فرصة للتوبة والرجوع إلى الله , ولن تكون النفوس أقرب إلى الله , منها في هذا الشهر. ففيه تتضاعف الرحمة , وتتسع أبواب المغفرة , ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة.
التوبة والاستغفار واجبة على كل حال , ولكنها في رمضان تحسن وتعظم لبركة هذا الشهر وعظم خيراته , وقد جاء في الحديث الصحيح (رَغِمُ أنفُ رجل أدركه رمضان ثم انسلخ فلم يغفر له) فكان هذا الشهر ميدان للتائبين والآيبين إلى الله ومن لم يدع المعاصى ويتب إلى الله , متى سيتوب ويقلع؟!
قال تعالى (وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات الآية رقم 11) حَري بمن يعيش أنوار هذا الشهر أن يتعظ بما يرى , وأن يكون شهوده للشهر مؤذنًا بتغيره وتوبته قال تعالى (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (طه الآية رقم 82) .
وكل إنسان منا بحاجة إلى التوبة , فمن ذا الذى لم يذنب؟! ومن هو الذى صحت استقامته؟! كلنا فقراء يا إخوان إلى عفو الله ومغفرته. (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور الآية رقم 31) .
وينصح التائب إلى الله تعالى بأمور:
1 -الصدق في التوبة وأن تكون نصوحًا , يقلع عما سلف , ويندم , ويعزم على عدم العود.
2 -الثقة في وعد الله بالمغفرة وسعة رحمته , وعدم اليأس.
3 -عدم استعظام الذنب , ففضل الله واسع (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر الآية رقم 53) .