فخرج رسولنا عليه الصلاة والسلام ذاك القائم القانت: من محرابه إلى ميدانه ليتحول إلى مجاهد باسل يحمى الأمة , ويكسر العدوان والظلمة , وعلى هذا كان في حياته كلها , فقد كانت غزوة (فتح مكة) في رمضان وهي من أعظم الانتصارات في الإسلام. وعلى هذا سار صحابته وأمته من بعده , فقد وقعت معارك وبطولات شهيرة في رمضان، كلها تؤكد أن رمضان قد يكون ميدانًا للجهاد , ورياضًا للانتصارات والمقاومات. وتبين لنا أن الصوم ليس شعارًا للكسل والفتور , بل هو سائق للدأب والمسارعة بكل وجوه الخير والعمل الصالح.
فمن تلك المعارك الواقعة في رمضان: البويب , وعين جالوت.
ونحن في هذه الأيام نشهد معارك ضارية تدبر على المسلمين كالذى تحدث في أفغانستان والشيشان وفلسطين وكشمير والفلبين وغيرها , والمطلوب منا لهؤلاء الدعم والدعاء وعدم نسيانهم , فإنهم إخوان لنا صائمون , ومجاهدون.
نسأل الله تعالى أن يعينهم وينصرهم ويثبت أقدامهم.
ثانيًا: لعل من أهم وأجل الدروس هذه الغزوة أن النصر من عند الله , ليس بقوة مادية ولا ترسانة حربية , وإن كان الإعداد أمرًا لابد منه , لكن لابد من تسليح النفوس أولًا بالإيمان واليقين وتحليتها بالصبر والتوكل , فإن هذه هي قوام النصر ومادته , وما أُتيت الأمة إلا من ضعفها في هذه الأبواب , ثم بعد ذلك تعد الأمة كل ما تستطيع تحقيقًا لقوله تعالى:
(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (محمد الآية رقم 60) .
الدرس الثامن عشر
العشر الأواخر
الحمد لله ولي الصالحين والعاقبة للمتقين , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فها نحن معاشر الإخوان , ودعنا قرابة ثلثي الشهر , ومضى شهرنا من غير شعور به!! أتذكرون أول ليلة استقبلناه وفرحنا به؟! لقد تصرم بسرعة عجيبة! ليسأل كل واحد منا ماذا قدم في تلكم الأيام السالفات؟!
هل أصلح من نفسه؟ هل تضاعف اجتهاده؟ هل كان من المسارعين في الخيرات؟ من كان محسنًا فليزد من إحسانه , وليضاعف خيره , وأفضاله. ومن كان مسيئًا فليتب وليستغفر , فلازالت الفرصة مواتية , والأرزاق دانية.
أيها الإخوة:
دنت العشر الأواخر الطيبات , وهي لباب الشهر وبستانه العامر وروضته الغناء, فما أنتهم معدون لها؟!
إن العقلاء بحق لا يضيعونها , أو ينشغلون عنها , وقد عرفوا من فضلها ما عرفوا وقد علموا بجد رسولنا صلى الله عليه وسلم فيها , وكيف أنه يعظمها غاية التعظيم , فيجد منها ويشد مئزره ويحيي ليله ويوقظ أهله كما ذكرت عائشة رضى الله عنها كما في الصحيحين.
فهذه أربعة أمور تجلى عناية رسول الله بهذه العشر الكريمات:
أولًا: كان يجد فيها وهذه علامة الاهتمام والاستعداد , ولا يكون الجد والاجتهاد إلا للأمور العظيمة , ومن أمثلة جده منها أنه كان يعتكف فيها توفيرًا للعبادة وحفاظًا على الوقت , وابتعادًا عن الخلطة والصوارف.
ثانيًا: كان يشد مئزره فيها، وهذا معناه اعتزال النساء على الصحيح كما قاله سفيان الثوري وأبو بكر بن عباش وغيرهما , ويستشهد له بقول الشاعر:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
وفى بعض الروايات ما يدل على ذلك.
ثالثًا: كان يحيي ليله فيها , ومعناه السهر على الطاعة والعبادة والتلاوة , والتعبير هنا بالإحياء يشعر بأن من الوقت ما هو حي يعمره بطاعة الله , ومنه ما هو ميت كالذى يحرق بالسفاهات والتعاسات.
رابعًا: وكان يوقظ أهله , وهذا من النصيحة والرعاية للأهل , لأن كل واحد راع ومسئول عن رعيته، إذن ليحرص كل واحد منا على إيقاظ أهله للصلاة , و إحضار الأبناء للمساجد.
ويقبح والله تركهم للشوارع والملهيات , وقت ابتهال الناس في المساجد.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الدرس التاسع عشر
خير من ألف شهر
الحمد لله تعالى , أسبغ علينا النعم , وأولانا بالمنن وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
نتحدث هذا المساء عن قوله تعالى (خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) فيا له من خطاب جذاب, وحديث أخاذ ومتجر رابح , لمن يفكر في الربح والخسارة ! لقد جعل الله قيام ليلة القدر , والفوز بها خير من ألف شهر , أي أفضل من عبادة ثلاث وثمانين سنة ليس فيها ليلة القدر. عجيب والله هذا الفضل !
قالى تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ(1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ (2) لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) هل لهذا الخطاب موقع من نفوسنا؟ إن ذوى العزائم لتتراقص عزائمهم لمثل هذا التشويق , وإن طلاب الفلاح لتشخص أبصارهم لمثل هذا الإحسان.
فأين موقعنا في هذه الليالي المباركة؟ !
أيها الإخوة: