ليلة القدر هى زهرة الشهر الغراء , وجائزته الحسناء , من فاز بها فقد حاز الفوز كله , ومن حرمها فقد حرم الخير كله , ولا يحرم خيرها إلا محروم , فجدوا فيما بقي من شهركم , وخصوا لياليه بالقيام والدعاء ومضاعفة الأذكار نسأل الله تعالى من فضله.
ويستحب للمسلم تحري هذه الليلة وطلبها في هذه الليالي الشريفة كما قد حث رسولكم عليه الصلاة والسلام فقد قال كما في الصحيحين (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر) وقد جعلها خاصة لهذه الأمة , كرامة للنبى صلى الله عليه وسلم , لما رأى تقاصر أعمارهم , وإلا فإنها موجودة في الأمم السابقة , ولكن فضلها مخصوص بأمتنا المجيدة , وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقد ورد لهذه الليلة علامات صحيحة منها:
1 -ما رواه مسلم في صحيحه أن الشمس في صبيحتها تطلع لاشعاع لها.
2 -وعند ابن خزيمة بسند حسن أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ليلة القدرة لا حارة ولا باردة تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة) .
وهناك علامات أخر , لكن هذا أصح ما ورد , وقد ذكر بعض مشايخنا الفضلاء شيئًا من علاماتها تعرف بالتجربة وهو أن نفوس الصالحين ليلتها تكون منشرحة مطمئنة , وليس عليه دليل , ولكن حدث به غير واحد من العلماء والصلحاء.
وهناك علامات غير صحيحة , أذكرها للتنبيه يتناقلها العامة منها: زعمهم أن الكلاب لا تنبح ليلتها وأن المياه المالحة تصبح حلوة , وأن الأشجار تنكس , وكل ذلك لا أصل له فلينتبه , وهنا أضم إلى هذه العلامات التي لم تثبت، حديثًا رواه الطبراني وابن خزيمة ولا يصح وهو (من صلى العشاء الآخرة في جماعة في رمضان فقد أدرك ليلة القدر)
وهذا حديث ضعيف لا يعتمد عليه , وفيه تزهيد من إحياء ليالي العشر بالقيام والتلاوة والأذكار اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك , ونكتفي بهذا القدر.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الدرس العشرون
زكاة الفطر
الحمد لله , والشكر لله , ولا حول ولا قوة إلا بالله , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
ففى هذه الليلة نتحدث عن زكاة الفطر , ولعله آخر درس لنا في هذا الشهر , لأن البقاع المقدسة تجتذب أفئدة المؤمنين , ولا يملك الطامع في الخير لقوله صلى الله عليه وسلم كما في المتفق عليه (عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي) إلا التسليم والمبادرة والبعد عن الكسل والتسويف , نسأل الله لنا ولكم العون والتسديد.
وسيكون حديثنا عن زكاة الفطر في مسائل وباختصار:
الأولى: زكاة الفطر هي طهرة وتنقية للصائم من اللغو والرفث كما صح بذلك الحديث فإنها تجبر خلل الصيام , وتصفيه مما علق بها , ولهذا قال بعض العلماء: إنها للصائم كسجدتي السهو للصلاة وإنها لعنوان الفلاح والرشاد فقد قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى) (الأعلى الآية رقم 14) وقال بعضهم: المراد بذلك زكاة الفطر.
الثانية: زكاة الفطر فرض فإجماع المسلمين وحكي في ذلك خلاف يسير لا التفات إليه فقد قال ابن عمر (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر) .
الثالثة: القدر الواجب فيها (صاع) على كل إنسان , ولا يجزي أقل من ذلك قال الناظم:
وقدرها بالنص والإجماع ... عن كل واحد وجوب صاع
وهذا الصاع يعادل قرابة اثنين كيلو وأربعين جرامًا بالمد النبوي.
والراجح أنها تخرج طعامًا من غالب قوت البلد , ولا يجزى إخراج القيمة أي النقود فيها لأنها خلاف السنة , وفيه إخفاء لها , وهذا مذهب جمهور العلماء , وقد تخوف الإمام أحمد من عدم إجزائها لمن أخرجها قيمة.
الرابعة: ووقت وجوبها يبتدئ بغروب شمس آخر يوم من رمضان , فمن تزوج أو ولد له أو أسلم قبل الغروب فعليه الزكاة , وإن كان بعد الغروب فلا عليه شىء.
الخامسة: أما وقت إخراجها فلها وقتان الأول: وهو الفاضل المستحب أن تخرج قبل خروج الناس إلى الصلاة لقول ابن عمر في الحديث الصحيح (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة) .
قال النسائى في سننه: (باب الوقت الذى يستحب أن تؤدى زكاة الفطر فيه) .
والوقت الآخر: وقت الجواز وهو أن تؤدى قبل العيد بيوع أو يومين لما في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما (أنه كان يعطيها الذين يقبلونها - أى مستحقيها - وكانوا يعطون قبل العبد بيوم أو يومين) .
ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد , فإن أخرها لغير عذر فهي صدقة من الصدقات , وليست بزكاة مقبولة. قال الناظم:
والمعطى للزكاة بعد العيدِ ... قد فاته الفضل بلا ترديد
السادسة: مصرف زكاة الفطر للمساكين ذوي الحاجة، ولا تعطى لغيرهم من أهل الزكاة لقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (وطعمة للمساكين) .
وهذا مذهب ابن تيمية وابن القيم وعليه أكثر علمائنا المعاصرين.
قال بعضهم:
وإنها بالنص للمسكين ... فلا تَحِد عن منطق الأمينِ
وكن إلى أدائها مبادرًا ... وشاكرًا لربنا وذاكرًا
وكونها من قوت أهل البلدِ ... سنة هادينا بلا تردد