فهرس الكتاب
... ... ولذا لجؤوا إلى الرمز للتعبير عن الأفكار والعواطف والرؤى لأنه أقدر على الكشف عن الانطباعات المرهفة والعالم الكامن خلف الواقع والحقيقة. إن الرموز نوع من المعادل الموضوعي، وهي من طبيعة خارج التراث، أيْ إنها تُشتق من الواقع الخارجي، ولكنها تختلف عن الطرائق التصويرية التقليديّة: فالشاعر يتجنب معها عقد المماثلات والتشبيهات والتوازيات بين طرفي الصورة، ويجعل الرمز وحده يؤدي الدلالة أو الشيء المرموز إليه عن طريق النشاط الذهني للمتلقي. والرمز يوحي بالحالة ولا يصرّح بها، ويثير الصورة ثم يتركها تكتمل من تلقاء ذاتها كما تتسع الدوائر في الماء، وذلك عن طريق الفعّالية الذهنية للمتلقي إنّ وظيفة الرمز الإيحاءُ بالحالة لا التصريح بها والكشف التدريجيّ عن الحالة المزاجيّة لا الإفضاء بها جملة واحدة، وهو وسيلة قادرة على الإشعاع الطيفيّ كالأثار الموسيقية والتشكيليّة، ومنه يصبح القارئ مشاركًا للمبدع في إنجاز عملية الخلق الفنيّ. والرمز أقدر على التعبير عن المشاعر المبهمة والأحلام والنزوعات الخفية العميقة وترجمة السرّ الخفيّ في النفس الإنسانية، وهذه هي المملكة الحقيقية للشعر، ولا تستطيع اللغة العادية التعبير عنها تمامًا كما يستطيع الرمز الذي يمكنه الكشف عن أدقّ اللوينات النفسية وفروقها الخفيّة.
4-العناية بالموسيقا الشعرية، موسيقا اللفظة والقصيدة، والاستفادة من الطاقات الصوتية الكامنة في الحروف والكلمات مفردةً ومركبة ومن التناغم الصوتي العام في مقاطع القصيدة، بحيث تصبح هذه الطاقة موظفة في التعبير عن الجو النفسيّ لدى المبدع ونقله إلى القارئ، أي أنها تصبح أداة تعبيرية تضاف إلىالمقدرة اللغوية والتصويرية بما تحدثه من الإيحاء بالجو النفسيّ.. فهي إذن تدخل في عضوية الفنّ ولا تأتي تجميلًا أو دغدغة لحاسة السمع.