فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 209

وأحسُّ قطراتِ الندى على جبيني وكأنها خمرة الروح .

هناك، في ظلال الوهم، كنت أنظم أشعاري

وأشد خيوط حذائي الجريح،

وكانه قيثارة.. قدمٌ على قلبي..! [1]

المرحلة الثالثة، ما بعد العمالقة

منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بدأت المدرسة الرمزية تتغيّر وتميل إلى الانحدار فأولئك الشعراء الشبان الذين كانوا يلتفون حول مالارميه، لم يكونوا يمتلكون ذكاءه ومعارفه وموهبته، ولذا مضوا في مذهبه إلى حد المبالغة، فبحجة الحرص على المرونة الشعرية والتحرّر من القيود الثقيلة جردوا الشعر من الإيقاع والجرس الموسيقيّ والقافية، فأصبح لديهم شبيهًا بالنثر المصطنع المتقطع في أسطرٍ متفاوتة الطول. وبدعوى الارتفاع عن العاديّة سقطوا في الغموض الذي لا طائل تحته. أما معجمهم اللغوي فكان مملوءًا بالأغلاط التي لا يقع فيها إلا الأجنبي الذي يجهل اللغة وأصبحت تراكيبهم خارجة عن المنطق والحسّ السليم، والواقع أن عددًا منهم كانوا ينتمون إلى أصول أجنبية، وتذكر من هذه الفئة فرديناند غريغ وأفراييم ميخائيل وغوستاف، كاهن..

ولكن يجب أن نميز بين أولئك الرمزيين الذين يمتلكون المهارة والمعرفة والذين يحاولون الإغراب، وبين الفنانين الحقيقيين الذين مرّوا بفترة من المحاولة والتدريب ثم ما لبثوا أن أصبحوا شعراء حقيقيين مفهومين، محتفظين بمزايا الرمزية ومبتعدين عن مثالبها ومزالقها.

ومن الرمزيين الشبان أناسٌ موهوبون لكنهم يحبون الإيغال في الصور الغامضة ويبتعدون عن التناغم الموسيقي.. مما حدا ببعض النقاد لأن يصنفوهم ضمن اللاشعوريين أحيانًا وضمن الدجالين المخادعين أحيانًا أخرى.

(1) حين كان يصلح حذاءه يضمه إلى صدره كقيثارة يشد أوتارها. ولنتصوّر المفارقة المفجعة: حذاءٌ على قلبه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت