فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 209

انتقد بلزاك سلطة الكنيسة ووقوفها في وجه العلم، وفضح مثالب رجال الدين وأدان حكومة عصره الملكية وسخر من الأبهة البورجوازية الفارغة ومن الذين يعيشون على ذكريات الماضي، ومجدّ المتمردين من العمال والفلاحين وتنبأ بانتصار ثورتهم، ولم ينفصل عن الحياة الحقيقية بما تحويه من طبقات وتجار ورأسماليين ومرابين وكوارث مالية وموظفين وسكان قصور وعسكريين وشرطة ومحتالين وغانيات وسيّدات مجتمع. وحرص على عرض ما يتردّد في المجتمع من الأفكار والعادات والتقاليد والعقائد ولم يكتف بالوصف، بل حلّل المشاعر وبحث عن الدوافع السلوكية وربطها في الغالب بالأحوال الاقتصادية وأكد على تأثير البيئة في الفرد، وعالج مشكلات سيادة المال، وأساليب المستغلين والجشعين والتهافت على المناصب بمنأى عن الفضيلة وشقاء الفقراء وتفكك الأسرة وكل الرذائل ولم ينج من سوط نقده أية شريحة اجتماعية. وقد قال في مقدمة ملهاته البشرية:"لقد أضفتُ إلى عمل المؤرخين فصلًا منسيًا هو تاريخ العادات والتقاليد".

وكان يكتب رواياته بمعزل عن عواطفه وميوله ومشاعره الخاصة ولا يسبغ قناعاته الكاثوليكية وآراءه السياسيّة على شخصياته بل يدعها تترجم عن ذاتها بعفوية وصراحة وصدق.

ولهذا كله عدَّ بلزاك الرائد الحقيقي للمذهب الواقعيّ والممّهد الأدبي للاشتراكية العلمية، الذي أشاع أفكارها ورسم قواعدها حتى غدت بعض أقواله بمنزلة المبادئ والشعارات؛ كقوله:"الذهب نعم، الذهب هو دين دساتيركم..!"وفي دفاعه عن الفلاح:"كيف يحرم غارس الحبوب ومنبتها وساقيها وحاصدها ثمرة كدّه؟"وفي تقديس العمل والإنتاج:"إنّ الذي يستهلك ولا ينتج مغتصب لحقّ غيره..!"

لقد كان بلزاك يشمّ رائحة عفن مجتمعه ويستشرف سقوطه أمام زحف الاشتراكية الصاعد في الأفق. وقد شهد أنجلز أنه تعلّم من بلزاك أكثر مما تعلمه من جميع كتب المؤرخين والاقتصاديين والاخصائيين المهنيين جميعًا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت