فهرس الكتاب
"أثارت أفكارها صورة هذه الحشود من الناس التي تقلُّها عربات القطار يوميًا مارةً من أمامها وسط السكون الكبير المخيّم على عزلتها، فحدَّقت إلى الخطّ الحديديّ الذي بدأ الليل يهبط عليه... إنها لم تكن لتفكر في هذه الأمور عندما كانت تملك كامل قوَّتها فيما مضى من الزمن غاديةً رائحة أمام الحاجز، حاملة رايتها بقبضة يدها؛ ولكن رأسها بدأ يزدحم بالأحلام المشوَّشة منذ أن أصبحت مجبرةً على المكوث أيامًا بطولها فوق مقعدها، ولم يبق لديها شيء تفكر فيه سوى صراعها الأخرس مع زوجها؛ وكان يتراءى لها أنه من دواعي السخرية أن تعيش حياتها ضائعة في هذه الصحراء دون أن يكون إلى جانبها مخلوقٌ حيٌّ تبثة شجونها في حين كانت تمرّ أمامها ليل نهار مواكب من الرجال والنساء دون انقطاع في غمرة دويّ القطر التي تهزّ أركان البيت ثم تولي مطلقةً عنان بخارها. ومن المؤكد أن سكان الأرض قاطبةً يمرون أمامها لا الفرنسيون وحدهم بل الأجانب أيضًا، ولا شكّ أنّ هناك أيضًا أناسًا قادمين من أقصى البلدان؛ لأن الناس -لاشكَّ- لم يعودوا يرضون بالبقاء في أمكنتهم ما دامت الشعوب -كما يقال- سوف تصبح جميعًا أمةً واحدة. وعندما يمرّ جميع الناس وقد تآخوا وتواكبوا، متجهين نحو بلدٍ ممتلئٍ بالخيرات فإن هذا هو التقدم بعينه..."
آه، ياله من اختراع! إن الناس يتحركون بسرعة وقد أصبحوا أكثر علمًا من ذي قبل، ولكن الحيوانات المتوحّشة ستظلّ متوحشة ولو توصلت إلى مخترعاتٍ أكثر دقّةٍ. ولسوف تبقى هنالك بعض الحيوانات المتوحّشة.