فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 209

وبعد الحرب العالمية تخطت الدادائية حدود سويسرا إلى فرنسا فلقيت إقبالًا واستقبالًا معظمه من قبيل الاستطلاع والتطلّع إلى شيءٍ جديد؛ وانضم إليها الشاعر بول إيلوار؛ ثم عبرت المحيط إلى أمريكا حيث كسبت كثيرًا من الأنصار من أبرزهم الكاتب هـ.ب لاكرافت (1890-1937) الذي شن حربًا على المدنية والعلم والمادية والمعقولية، وانفصم بفكره عن المجتمع انفصامًا كاملًا، وزاد على أقرانه بأن دأب في رواياته على زرع الشكّ ونشر الرعب في نفوس قرائه، فكان يخترع أشخاصًا ومخلوقات غريبة ومشوّهة ومفزعة، تأتي من وراء الزمان والمكان لتستولي على الأرض وتبيد أهلها وحضارتها. وهذا تعبير عن موقفه السلبيّ الانهزامي اليائس، ورفضه الحياة المعاصرة كلها ورغبته في إنهائها. ومن قصصه: (الذي لايسمّى 1922) و (ساكن الظلام) ...

وفي المقطع الآتي، يصرّح بموقفه الدادائي [1] :

"... الحياة شيء كريه؛ وتظهر لنا من كوامن مانعرفه عنها تلميحات شيطانية للحقيقة تجعل الحياة ألفَ مرةٍ أشدَّ كراهية... والعلم الذي يخنقنا دومًا باكتشافاته المذهلة يمكن أن يدمّر النوع البشريّ في النهاية؟ لأن مايكمن فيه من أصناف الرّعب التي لم نعرفها بعد قد لايتحمله عقل من عقولنا الفانية...!"

وقد عجّل بانطفاء الدادائية سأمُ الناس منها؛ فقد أيقنوا بأنها حركة فارغة عدميّة، تدور حول نفسها، وتصرخ في مكانها دون أن تفعل شيئًا لتغيير الواقع، وإذا كان لابدّ للكاتب من وجهة نظرٍ شخصيّة يقول من خلالها شيئًا، يفضي منه إلى منفذ الخلاص، فإن نتاج هذه الحركة لا يتعدى التعبير عن السأم والقرف والتشاؤم واللاّهدف واللاّجدوى. لقد رفضت الدين وزعزعت العقائد والقيم ولم تحلَّ مكانها شيئًا آخر، فواجهت الإفلاس الروحي، وتركت الإنسان الغربيّ حائرًا تجاه مصيره.

(1) المعقول واللامعقول في الأدب الحديث- كولن ولسن؛ دار الأدب بيروت 1966. ص27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت