فهرس الكتاب
ثالثًا- الأدب المسرحيّ:
ينفرد الأدب المسرحيّ بأنه الأكثر جماهيريّة نصًا وعرضًا والأوسع رواجًا والأشد تأثيرًا. فجمهور الشعر محدود وخاصّ، ونشر مجموعة شعرية مغامرة يحسب لها الناشر ألف حساب. أمّا الرواية فأكثر التصاقًا بالقضايا الإنسانية والمعاناة الواقعية وأكثر جذبًا وإمتاعًا، فضلًا عن قابليتها للإخراج السينمائي. أما المسرح فقد وجد أصلًا للتمثيل على الخشبة والعرض على مالا يحصى من الجماهير، وكم من مسرحية دام عرضها سنوات، وكم من مسرحٍ تخصص بكاتب واحد أو مسرحية واحدة..! فالمسرح -كما قيل- خبز الروح، يصدر من وحي الواقع والمعاناة ليعرض في حلة احتفالية مثيرة للعاطفة والذهن، حيث تضاف إليه عبقرية الإخراج والتمثيل وحسن الأداء والمؤثرات الصوتية والضوئية والملابس والديكورات. وإن قارئ الشعر والقصة متفرد؛ أما مشاهد المسرح ففي تظاهرة اجتماعية متفاعلة مع مايجري على الخشبة، وربما تمت المشاركة بين الطرفين فيما يدعى"تحطيم الجدار الرابع".
والمسرح يقوم أساسًا على معالجة مشكلة أو أزمة أو قضية إنسانية هامة تشغل البال ويعانيها الناس وتشتبك بحياتهم ومصائرهم، ثم تحليلها والانتهاء منها إلى حلَّ أو مشروع حلّ بإثارة تساؤل واهتمام وإضاءة طريق. فالمسرحية شديدة الالتصاق بالواقع الاجتماعي والداخلي وبليغة التعبير عن هموم العصر ومؤرقاته وناجعة في بلورة الرأي العام والموقف الفكري والعمليّ، يسعفها في أداء هذه المهمة جو من الحريّة والديموقراطية يتيح الدخول في أي موضوع وتناول أيّة مشكلة مهما بلغت من الحساسية والإحراج.
فمن أبرز هذه الموضوعات مسألة وجود البشر في هذا الكون والتساؤل: لماذا؟، والصراع بين الدين والإلحاد والتحلّل والأخلاق وعلاقة الحب والعاطفة، والضياع والقلق البشري العام في هذا الوسط المأساويّ المظلم الغامض المصير.