فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 612

إنّ مفهوم الانتماء عند الجاهلي يُعرف بالقراءة الواعية، وبالتواصل الحميم مع ألفاظٍ وتراكيب وصلت إلينا منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، فالإنسان الجاهلي لم يعرف تصنيف الأفكار في كتب مؤلّفة، ولكنّه بثّ أفكاره، وكذلك مشاعره، في إبداعاته الأدبية، ولا سيما في مجال الشعر؛ فالتراث الجاهلي يفتقر إلى الصياغة المنطقية والفلسفية لظاهرة الانتماء، ولكنّ ألسنة الناس، ولا سيما الشعراء تدوالت لفظة (الانتماء) وألفاظًا أخرى تشاركها في جذرها الثلاثي تداولًا يُسعف في معرفة فهم الإنسان الجاهلي للانتماء. فكيف ذلك؟

(نحن نعلم بشكل قاطع أن الفكر الإنسانيّ مهما كان بدائيًا لا يتم بدون قالب لغوي -صوتي لأنه يوجد تلازم لا ينفصم بين الفكر واللغة منذ بداية الأنسنة) [1] . واللغة العربية الجاهلية هي حاملة فكر الجاهليين ومشاعرهم، وهي لغة حيّة، يستطيع العربي المعاصر أن يفهم أكثر ألفاظها وتراكيبها، ويستطيع العودة إلى المعجمات اللغوية، والشروح اللغوية والأدبية لتراث العصر الجاهلي لفهم الألفاظ والتراكيب المهجورة بسبب البعد الزمني وتغير أنماط الحياة. واللغة العربية يمتلك أبناؤها خاصّية التواصل بها بين ماضيهم وحاضرهم بقوة يفتقر إلى مثلها أهل اللغات الأخرى، إنّها لغة حيّة، وذاكرة أمة حيّة، نعرف بألفاظها وتراكيبها مشاعر أجدادنا وأفكارهم، حيث تتراءى لنا في تلك الألفاظ والتراكيب، ولا سيما القديمة منها، الدلالات العميقة على مناحي تفكير أسلافنا، وعلى مسارب مشاعرهم. والبحث عن تلك الدلالات العميقة في لفظة (الانتماء) ، وفي الألفاظ التي تشاركها في جذرها الثلاثي سيبرز لنا ظلالًا تفيء، تحتها ظاهرة الانتماء في العرف الجاهلي.

(1) -شحرور- محمد، بلا، الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة، الطبعة الخامسة، دار الأهالي، دمشق، ص298.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت