الصفحة 15 من 36

النبي صلى الله عليه وسلم بالزلزلة في الركعتين كلتيهما.

قال الراوي: فلا أدري أنسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدًا، فلو كان شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم التخفيف دائمًا ما حصل هذا الاستفهام.

الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لبيان الجواز ففي غالب أحواله صلى الله عليه وسلم يقرأ بطوال المفصل لكنه قرأ بقصار المفصل ليبين للأمة جواز ذلك.

قال ابن القيم رحمه الله [1] :"ولو قدر أنه صلى الله عليه وسلم خفف الصلاة لا لعذر كان في ذلك بيان الجواز وأن الاقتصار على ذلك لعذر ونحوه يكفي في أداء الواجب فأما أن يكون هو السنة وغيره مكروه مع أنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم في أغلب أوقاته فحاشى وكلا ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف والذين رووا التخفيف رووه أيضًا فلا نضرب سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض بل يستعمل كل منها في موضعه وتخفيفه إما لبيان الجواز وتطويله لبيان الأفضل."

وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عرض ما يقتضي التخفيف فيكون التخفيف في موضعه أفضل والتطويل في موضعه أفضل ففي الحالين ما خرج عن الأفضل وهذا اللائق بحاله صلى الله عليه وسلم وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته وهو اللائق بمن اقتدى به وائتم به صلى الله عليه وسلم".أ. هـ"

فإن قيل فما الجواب عن الأحاديث التي فيها الأمر بتخفيف الصلاة مطلقًا يجاب عن ذلك بما ذكره ابن القيم رحمه [2] :"من أنه يرجع في التخفيف المأمور بة إلى فعله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يصلي وراءه الضعيف والكبير وذو الحاجة وقد أمرنا بالتخفيف لأجلهم فالذي كان يفعله هو التخفيف إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلله بعلة ثم يفعل خلافه مع وجود تلك العلة إلا أن يكون منسوخًا."

وفي صحيح مسلم [3] عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"طول صلاة الرجل وقصر خطبتة مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان سحرًا"فجعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل وأمر بإطالتها وهذا الأمر إما أن يكون عامًا في جميع الصلوات وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة فإن كان عامًا فظاهر وإن كان خاصًا بالجمعة مع كون الجمع فيها يكون عظيمًا وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة وتفعل في شدة الحر ويتقدمها خطبتان ومع هذا فقد أمر بإطالتها فما الظن بالفجر ونحوها التي تفعل في وقت البرد والراحة مع قلة الجمع ..."أ. هـ."

وقال أيضًا [4] :"إن الإيجاز هو الذي كان يفعله وعليه داوم حتى قبضه الله إليه فلا يجوز غير هذا البتة".

وقال ابن القيم أيضًا [5] :"وأما ما رواه مسلم في صحيحه [6] من حديث جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر (بقاف والقرآن المجيد) وكانت صلاته بعد تخفيفًا."

فالمراد به -والله أعلم- أن صلاته كانت بعد الفجر تخفيفًا يعني أنه كان يطيل قراءة الفجر ويخفف قراءة بقية الصلوات لوجهين:

أحدهما: أن مسلمًا روى في صحيحه عن سماك بن حرب قال:"سألت جابر بن سمرة عن"

(1) تهذيب السنن (1/ 416) .

(2) تهذيب السنن (1/ 413) .

(3) (2/ 594 رقم 869) كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة.

(4) الصلاة وحكم تاركها لابن القيم (186) .

(5) تهذيب السنن (1/ 412) .

(6) تقدم حديث رقم (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت